وداعاً أيها الدبلوماسي السوري نجم الدين الرفاعي

العدد: 
15271
أحد, 2018/04/01

مما لا شك فيه أن وطننا العظيم سورية أنجب الكثير الكثير من الأشخاص الذين كان لهم تأثيراً كبيراً ليس على مستوى سورية بل على مستوى العالم بأسره؛ وليس ذلك غريباً فوطننا مهد الحضارات ومنبع الإشعاعات الثقافية للدنيا بأكملها.

منذ أيام ودّعنا قامةً سياسيةً ودبلوماسيةً كان لها دوراً كبيراً في تمثيل وطننا سورية ابتداءً من خمسينيات القرن الماضي إلى منتصف الثمانينيات منه، إنه الدكتور نجم الدين الرفاعي.

ولعلّ مضي عقوداً عديدةً على اعتزاله العمل الدبلوماسي أدى بالكثير من الناس إلى نسيان هذه الشخصية أو عدم معرفتها، ومن المجدي أن أسلّط الضوء على مُختصرٍ من سيرة حياة الدكتور نجم الدين الرفاعي من قبيل الوفاء برجالات الوطن.

على الرغم من أنه تفصل سنة ولادته عن وجودي في هذه الدنيا ما يزيد على الخمسة عقودٍ إلا أنني عرفته عن قرب وعرفتُ أسرته الأصيلة العريقة أيضاً، الدكتور نجم الدين ابن الشيخ محمد صادق ابن الشيخ محمد بهاء الدين ابن الشيخ محمد أبو الوفا الرفاعي.

ولد في مدينة حلب في الثلاثين من شهر محرّم سنة (1341هـ) الموافق للثاني والعشرين من أيلول لعام (1922م).

في أُسرة علمٍ ووجاهة فوالده الشيخ محمد صادق كان عضو في مجلس المبعوثان "البرلمان" زمن الاحتلال العثماني، وجدّه الشيخ بهاء الدين كان مفتياً لحلب لفترةٍ من الزمن .ووالد جده الشيخ أبو الوفا الرفاعي الشخصية الشهيرة شيخ التكية الإخلاصية الرفاعية وصاحب الموشحات الدينية وهو معروف لدى الدارسين في علوم التواشيح والموسيقى.

كانت دراسة الدكتور نجم الدين الابتدائية في المدرسة الفاروقية التي درس فيها الكثير من أعلام البلد وقاماته. ثم انتقل إلى المدرسة الأمريكية في حلب فأتمَّ دراسته الابتدائية ثم سافر إلى بيروت حيث تابع دراسته الإعدادية والثانوية في الجامعة الأمريكية في بيروت؛ وتابع دراسته الجامعية "علوم سياسية" في الجامعة الأمريكية أيضاً، حيث تخرج منها حاملاً شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية عام (1946م)، ثم أكمل الدراسة فحصل على شهادة الماجستير عام (1947م) عن رسالة بعنوان (المشاكل السياسية الداخلية في سورية) حيث بحث فيها مشاكل البدو، والمشاكل الطائفية والحزبية في تلك الآونة.

سافر بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث عُيّن ملحقاً في الوفد السوري للأمم المتَّحدة؛ عيّنه رئيس الوفد آنذاك فارس الخوري مستشاراً له. وخلال تلك الفترة انتسب إلى جامعة كولومبيا في نيويورك لمتابعة دراساته العُليا وتخرج بها عام (1959م) وحصل على شهادة الدكتوراه في القانون والعلاقات الدولية عن أُطروحة بعنوان (دراسة العوامل المحلية والدولية المؤدية إلى وحدة واستقلال ليبيا).

وبعد حصوله على شهادة الدكتوراه عاد إلى سورية والتحق بوزارة الخارجية للجمهورية العربية المتَّحدة؛ حيث عُيّن رئيساً لدائرة الهيئات الدولية والمؤتمرات بالقاهرة، ثم انتقل زمن الوحدة بين سورية ومصر إلى وفد الجمهورية العربية المتحدة لدى الأمم المُتَّحدة في نيويورك.

وعندما انتهت الوحدة بين سورية ومصر عُيِّن عضواً للوفد السوري الدائم في الأمم المتَّحدة.

وبعد استقالته من الحكومة السورية وافقت الحكومة على إعارتِهِ إلى الأمم المُتَّحدة لمدَّة عامين فعُيِّن من قِبل الأمين العام للأمم المُتَّحدة مديراً عاماً لقسم الوصاية والمناطق التي لا تتمتع بالحُكم الذاتي، وبقي في هذا المنصب إلى أن أصبح أميناً عاماً مساعداً للأمين العام للأمم المتَّحدة لدائرة المُستعمرات.

انتُخب سنة (1961م) مندوباً سامياً للأمم المتحدة من أجل الاستفتاء لتقرير مصير جُزر صاموا الغربية والتي أصبحت فيما بعد دولة مستقلة وعضوة في الأمم المتحدة بناءً على توصياته المسجلة في تقريره للجمعية العامة للأمم المتحدة.

عقدت الأمم المتحدة مؤتمراً لبحث استقلال دولة ناميبيا الإفريقية، وذلك في فيينا، في سنة (1985م) وكان الدكتور نجم الدين الرفاعي هو الأمين العام لذلك المؤتمر.

جاب الدكتور نجم الدين الرفاعي الكثير من البلدان لاسيما تلك الجُزر التي كانت تحت الوصاية والاستعمار في الباسفيك وأفريقيا.

وقد التقى أثناء عمله بشخصياتٍ استثنائية في العالم أمثال: فارس خوري، جواهر لآل نهرو، وانديرا غاندي، وملك المغرب الحسن الثاني، والحبيب بورقيبة، وعبد العزيز بو تفليقة، وجان كندي وغيرهم.

تقاعد الدكتور نجم الدين الرفاعي عن العمل الوظيفي في عام ( 1987م).

وعاد إلى حلب وشغل نفسه بالبحث والمطالعة، وكان قد شرع في تأليف كتاب يبحث فيه حول وضع العرب في الأمم المتَّحدة غير أن ظروفه الصحية حالت دون إنهائه لهذا الكتاب.

جمعتني به زيارات كثيرة لبيته العامر المُجاور لجامعة حلب، كان رحمه الله دمث الأخلاق، لطيف المعشر، لا يملُّ جليسه؛ حدّثني عن الكثير من ذكرياته التي كان شاهداً على العصر فيها لا سيما تلك التي رافقت زمن الانتداب الفرنسي والوحدة بين سورية ومصر.

وعندما سألته عن سبب عدم زواجه أجابني: شغلتني الدبلوماسية وكثرة الترحال عن هذا القرار المهم.

وفي الأزمة التي عصفت بوطننا سورية استاءت حالة الدكتور نجم الدين الرفاعي الصحية فسافر إلى بيروت للعلاج وأشتدّ به المرض إلى أن فاضت روحه الطاهرة في يوم السبت الثامن من شهر رجب لسنة (1439هـ) الموافق للرابع والعشرين من آذار لعام (2018م) رحمه الله تعالى.

توفي الدكتور نجم الدين الرفاعي عن عمرٍ يُناهزُ الخامسة والتسعين سنة قضاها في أروقة الدبلوماسية وساحات المجتمعات الدولية. فوجدتُ من الواجب أن نذكره في صحافتنا الوطنية لنفيه بعضِ حقه.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة