دفاع عن اللغة العربية

العدد: 
15271
أحد, 2018/04/01

بعد معركة ميسلون ومنذ أن دنس الفرنسيون ترابنا الوطني تنفيذاً لبنود اتفاقية /سايكس بيكو/ التي نصت في حيثياتها على محاربة اللغة العربية وتغيير البنى الثقافية والأخلاقية في مجتمعنا تمهيداً للقضاء على أساس الحضارة العربية ومنبع فكرها وتراثها، عمد الفرنسيون بشكل ممنهج إلى إلغاء المدارس الوطنية والكتاتيب الدينية التي كان عماد منهاجها اللغة العربية واستبدلوه بنظام تعليمي وفق تطلعاتهم يعتمد على تهميش اللغة العربية وجعلها مادة فرعية في المدارس. ففي ثانوية المأمون وهي أكبر ثانويات مدينة حلب كانت تدرس أربع لغات إضافة إلى اللغة العربية وحجتهم في ذلك أن اطلاع الطالب على لغات متعددة يمكنه من التواصل الثقافي والتجاري مع الأمم الأخرى وسرعان ما انعكس ذلك على الوضع الثقافي في البلاد وصارت بعض الصحف تستخدم في مقالاتها وعناوينها الكلمات العامية والأجنبية، وقد شاهدت وما زلت أشاهد مطبوعات باللغة العامية في مختلف نواحي الأدب كالقصة والمقالة وغدا استعمال الكلمات الغربية في أحاديث الناس مدعاة فخر ودليل ثقافة وتحضر كما هو الحال في بعض الدول العربية اليوم.

ونتيجة لذلك اطلع الطلاب على الشعر الأوروبي القريب من النثر والكلام العادي والذي يفتقر إلى مقومات الشعر العربي وعناصره وأدواته المختلفة فاستهواه واستسهله كثير من ذوي الثقافة المحدودة وراحوا يكتبون ما يشاؤون من كلام ونثر متعثر ويضعونه في صف الشعر وخانته.

حيث صار /الشويعر/ يمدح /الشعرور/ رغبة برواج بضاعته وسوادها وصار لهذا النثر أنصار ومؤيدون واصطنعوا أعلاماً لهم وأخذوا يدعون إلى الكتابة بالعامية حتى في المناهج المدرسية تحت شعار الحداثة والسهولة ومجاراة العصر والأدهى من ذلك حين دعا بعضهم إلى إلغاء اللغة العربية والتحدث بلغة المستعمرين الفرنسيين تحت وطأة إحساسهم بالنقص والدونية مجاراة وإرضاء للمستعمر وأعوانه.

كل ذلك كان مع بداية الاحتلال الفرنسي وسكوت زبانيته وأنصاره الذين كانوا يوافقون على ما يجري لضعف انتمائهم الوطني ومشاركتهم فيما يحاك لوطنهم وما يعد له من ضربات استباقية غايتها القضاء على أساس الحضارة العربية.

والغريب أنهم أطلقوا على أشعارهم أسماء مضيئة ولامعة كالشعر الحر والشعر المرسل والمنطلق وكانت لهم في ذلك حججهم الغريبة والمستفزة ويتذرعون بالعفوية وبأنهم يكتبون ما يجول في خاطرهم بحرية وبدون تكلف.

والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: ما الفرق بينهم وبين الطفل الذي يكتب ما يجول في خاطره وما الفرق الذي بينهم وبين الذي لم يقرأ في حياته إلا الكتب المدرسية وما الفرق بينهم وبين الأجنبي الذي يعرف بعض العربية ويكتب شعراً عربياً بعفويته المتعثرة؟! فهذا يعني أن في الوطن العربي 300 مليون إنسان يستطيعون كتابة الشعر وهم ضليعون في اللغة ولهم أن يكتبوا ما يشاؤون من صنوف الأدب.

وكثير من هؤلاء يقول: إن الجاهليين لم يكونوا أصحاب ثقافة وعلم. وجوابنا: إن الجاهليين لم يكونوا بحاجة إلى الجامعات والمدارس ليتعلموا أصول النحو والصرف وغيرها، أما اليوم فكل العرب يريدون أن يصبحوا شعراء وأدباء ولو لم يحسنوا أي نوع من تلك الفنون ولم يأخذوا بأدواتها.

ويروج أبواق الغرب والماسونية الصهيونية لهذه الظاهرة المريبة منذ زمن وذلك كضربة من الضربات الاستباقية وكدسيسة خبيثة أعدت ضد أمتنا لتفتيت لغتنا العربية وإبعاد العربي عن لغته المتصلة اتصالاً وثيقاً بتراثه وحضارته وتاريخه المجيد.

وقد نبه الشرفاء من الأدباء إلى حقيقة ما يجري ونادوا وأكدوا في كتاباتهم على ضرورة أن يدرك العربي أن اللغة هي أرض الوطن وبحره، لا يجوز التنازل عنها أو التهاون في صد الحملات التي تؤدي إلى تشويهها. وقالوا: إنها ضمير الأمة وميثاقها الذي يربط بين أجزائها بروابط متينة وإن كنا لا نراها، فاللغة وعاء لفكر الأمة فإذا فسدت انهارت الأمة واضمحلت وزال عطاؤها لأن اللغة تصقل العقل وتهيئ الروح لمحبة الأوطان وتعلي من شأن الأخلاق مما يؤدي إلى انبعاث روح الإبداع والكمال الثقافي والنفسي للمواطن.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية لغتنا ودعانا إلى ضرورة حفظها وإتقانها وذلك حين قرن الله العقل والحكمة بفهمنا للغتنا العربية فحيث تجد كلمة (عربي أو عربياً) تجد بجانبها الألفاظ التي تتعلق بالعقل والحكمة وكأن الله يحثنا على ضرورة تعلمها وإتقانها ونرى ذلك في العديد من السور ففي سورة يوسف يقول تعالى:( إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) ويتكرر هذا المعنى في سورة / الرعد - طه - الزمر – فصلت – الشورى – الزخرف والأحقاف/.

وحين يريد الله تعالى التأكيد على وجوب طاعته في أمر من الأمور المهمة يربط ذلك ويؤكده بكلمة (عربي أو عربياً) لأن مفهوم الكلمة ومعناها البعيد هو العقل والفهم والحكمة كما ورد في السور والآيات السالف ذكرها.

والإنسان حين يريد من محدثه أن يفهم ويستوعب قوله يردد له عبارة / أنا أتكلم عربي/ وهذا يعني أنه ما بعد ذلك من توضيح للكلام.

ومن مساوئ الأمور وغرابتها أن قام كتاب الحداثة والهذيانات الشعرية بإحداث مفاهيم جديدة لقصائدهم فقالوا: إن غموض القصيدة وعدم فهمها يعد ميزة وحسنة من حسناتها إذ كلما تعذر فهم ما يقال كانت القصيدة مبدعة ورائعة، حتى بتنا في الآونة الأخيرة نقرأ ديواناً كاملاً لهم دون أن نفهم شيئاً.

لست أدري لماذا اتخذوا الغموض والتخفي أساساً ومعياراً لقصائدهم؟! هل يريدون أن يعيش المواطن العربي مغيباً وغريباً عن كل شيء؟! وهل يحاولون حرمانه من فهم لغته وتذوق الشعر؟!

أتراهم يريدون قتل إحساسه وتخريب فهمه للأمور؟!  وهل يريدون أن نعيش بلا لغة ونقتصر على لغة الإشارة مثلاً؟!

لا شك في أنها دسيسة الحداثة الخبيثة ولعلها أخطر من قنابلهم الذكية، ومع ذلك وللأسف الشديد هناك من يشجع على تفشي ذلك الداء العضال.

وادعى آخرون أن اللغة العربية لم تعد تتناسب مع معطيات العصر الحديث وما فيه من مستجدات ومخترعات، ولعل الشاعر حافظ إبراهيم كان خير من رد على تلك الإدعاءات والافتراءات حين أنشد قصيدته الشهيرة / اللغة العربية / إذ يقول:

رموني بعقمٍ في الشباب وليتني

       عقمتُ فلم أجزع لقول عداتي

ولدت ولما أجد لعرائسي

        رجالاً أكفاءً وأدت بناتي

وسعت كتاب الله لفظاً وغايةً

       وما ضاقت عن آي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلةٍ

       وتنسيق أسماء المخترعات

أنا البحر في أحشائه الدر كامنٌ

      فهل سألوا الغواص عن صدفاتي

أيطربكم من جانب الغرب ناعبٌ

      ينادي بوأدي في ربيع حياتي

أرى كل يوم في الجرائد مزلقاً

       من القبر يدنيني بغير أناة

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى

         لعاب الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوب ضم سبعين رقعة

      مشكلة الألوان مختلفات

ولنا أن نتساءل اليوم: إلى متى سنساق ونسعد بـ /خشاخش/ الغرب وألاعيبه وننبهر بحقده وأكاذيبه؟! ولماذا لم يقف القائمون على الثقافة في بلادنا موقف المدافعين عن لغتهم باعتبارها ضمير الأمة وشرفها وميثاقها وكرامتها؟!

منذ زمن ليس ببعيد جاء مشعوذ من هؤلاء الشعراء إلى مدينتا فاستقبل استقبال الفاتحين ودعي إلى أكبر منبر ثقافي فألقى فيه ما شاء من غموض وعبارات ركيكة تعبر عن خلل وتفكك ذهني واضح، والمخزي والمضحك أن الجميع قد صفق له دون أن يفهم شيئاً ما يقول. وكعهدي مع مثل هؤلاء ورغبة مني في فهم حقيقة ما هم فيه وماذا يرسمون ويخططون انتظرته ليخرج من القاعة وسألته: ماذا يمكن أن نسمي أشعارك؟ فقال: إنها حداثية، فقلت له: أريد أن أصدقك القول فإن جميع الحاضرين لم يفهموا شيئاً مما قلته والكل يقول: (إنك تهبل وتستهبل غيرك)، فابتسم بإصرار وقال: أعلم ذلك، وكأنه يقول: لقد سبقت فأصبت ما أردت فافعل وقل ما شئت.

وعند ذكر هؤلاء ومن باب أن الشيء بالشيء يذكر، يحضرني ذكر الشرفاء والغيورين على لغتهم والمعتزين بكرامتهم وليس لي إلا أن أتذكر الرئيس الجزائري الراحل هوري بومدين وهو من يجيد ويتقن اللغة الفرنسية في لقائه مع الرئيس الفرنسي فاليري ديستان وذلك عند وصولهما إلى قاعة الاجتماع المغلق الذي يجمع الرئيسين فقط وأمام ذهول الحاضرين طلب الرئيس الجزائري دخول مترجم إلى الاجتماع الثنائي وكأنه يقول للرئيس الفرنسي: ليست فرنسا ولا رئيسها أفضل مني كي أتحدث لغتك، ودخلا الاجتماع نداً لند.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي