درب الآلام والقيامة السورية

العدد: 
15272
اثنين, 2018/04/02

وكانت درب آلامهم آلاماً، وسياطاً وصليباً معلقاً على كاهلهم، سنوات وسنوات وهم يحملون القهر والعذاب والألم ..

وعُلّقوا على خشبة كما عُلّق السيد المسيح .. وكانت جراحهم تنزّ من كل مسامات جسدهم كما نزّت جراح المسيح .. وأسقوا بدل الماء خلاً، وطعنوا في جنبهم، وسئلوا عن صفح وعن سماح وتسامح .. وسألوا ربهم: إلهنا إلهنا لمَ تركتنا؟!

وناحت الأم نواحاً وصل صداه إلى السماء.. (وا حبيبي) ..

وقاموا القيامة المجيدة كما قام السيد المسيح، وفجّ النور من قلب دمشق .. إنه نور السماء فلتنعم سورية بمجد حقيقي .. بجلاء ليس ككل جلاء ..

*     *     *

وستبقى هناك لحظات مؤلمة بقيت خارج الكتب والحكايات.. ستبقى هناك خيمٌ لجنود لم يدخلها كاتب .. خيمٌ كان الموت يلفّها زناراً من لهب.. ستبقى هناك ميادين لم يطلها قلم.. بيوت ونوافذ وأسرّة تئن وتتألم.. جسورٌ وطرقاتٌ ومنعطفاتٌ كانت تشهد كل شيء.. فضاءٌ سماوي يطلّ على كل المشاهد.. فضاءٌ صامت.. فضاءٌ متفجّر.. كلّ شيء ناقص.. حتى أكثر الروايات والقصص اكتمالاً بقي هناك شيء لم يأخذ مكانه بين سطورها.. بقي على الهامش كما تبقى الذكريات في الأذهان.. وربما كان ذاك الشيء هو الأهم من كل ما حفلت به تلك الروايات.. هو ذاك الشعور الحقيقي بالألم..

                          *         *   *

الموسيقا تعزف بأوتار الخلاص سماءها والمشاهد تغلي في ذاكرتك.. ذاك الطريق الممتد على لون بلادك لم تزحزحه الرصاصات من مخيلتك.. وكنت تمشي في طريق الياسمين عائداً إلى بيتك.. تقترب من سيارة يفوح منها عطرُ أغنية: "سورية رجالك بضلّوا سيف رجولة وموقف عز" وتسأل عن المواقف كلها.. تتذكّر رجال العالم الذين كتبهم التاريخ فسطّروه.. تتذكّر موقف بلادك.. نظراتِها المشبعة بتاريخ معتّق في لحظة شرودٍ نحو أفقٍ سماويّ المآل..

موجُ الأغنية يصخب وأنت تفكّر بالمعاني.. ترسم كلّ المشاهد.. ثم يتوارى ظلّك خلف شجرة زيتون تقف وقفة عزّ، ويلوح بريق سيف في سمائك، إنه السيف الدمشقي الذي قطع شرايين إرهاب دم، وإرهاب حقد..

                          *         *   *

يُمناكَ التي أمسكتْ بزناد الحق، حين كنتَ تعبر النهارات راسماً مجداً لوطن أتعبه صوت الناي الحزين، ترسم اليوم حروفاً مبللة بشوقها لمعركة أخيرة، تحفّ بها أصوات النداء الأخير..

معركتكَ أنا، وأنا وطنكَ. ومصيرُكَ الذي تتمناه لن يأتيك سهلاً كموت، ولا صعباً كحياة، قدركَ أن تبدع فنوناً لم يدوّنها الأولون، لتعيدني إلى تلك اللحظة العابرة كوهمٍ..

يمينكَ التي قدّمْتها هديةً للحظةِ انتصارٍ تكتب اليوم تاريخ سورية، فابدأ يا تاريخ، واكتبي يا أيتها اليد الجريحة ملاحم الخلود..

وطنكَ أنا، وأنتَ نشيدٌ لا يغيب..

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
بيانكا ماضيّة