قالت نملة ...

العدد: 
15274
أربعاء, 2018/04/04

لا زالت النملة في مخزوننا الثقافي رمزاً للتفاني بالعمل، وتحمّل المسؤولية، وعدم الكلل أو الملل، رمزاً لزراعة الأمل في النفوس.

ولقد أسست النصوص الدينية لهذه الرمزية بشكلٍ قوي فقد أُطلق على سورة كاملة في القرآن اسم "النمل" ونقل لنا القرآن الكريم والسنة الشريفة مواقف مُشرّفة وحقيقية للنمل حيث يقول ربنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم: (حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين)، [النمل: 18- 19].

لقد نقل لنا ربنا جل جلاله قول نملة، نعم نملة لأنها استحقت هذا التكريم الخالد الأبدي.

وكذلك في السنة الشريفة نقرأ ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (إن سليمان بن داود خرج بالناس يستسقي فمر على نملة مستلقية على قفاها رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك ليس بنا غنى عن رزقك، فإما أن تسقنا، وإما أن تهلكنا، فقال سليمان للناس: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم) .

وهذا الحديث نقل لنا دعاء نملة، والذي كان في نظر النبي سليمان عليه السلام كافٍ للاستسقاء واستعاض به عن دعاء كل التي كانت معه.

كما نقرأ في السنة النبوية حُرمة إيذاء النمل بالحرق.

وعندما كنا أطفالاً في مدارسنا الابتدائية كانت المعلمة تعلمنا نشيد "الصرصور والنملة" الذي يجسّد شخصية النملة المكافحة المخططة الواعية وبالمقابل نجدُ من يجسد لنا حال الكسل والخمول واللا مسؤولية من خلال الحياة التي يحياها الصرصور الكسلان.

وكبرنا ونحن نعي هذا الأمر ونحترمه، نعم احترم القيم التي تعلمتها من هذا المخلوق، لا سيما عندما أعود بذاكرتي إلى درسٍ للقراءة وفيه أن ذلك القائد العسكري المُنهك من المعركة والذي شارف على الانهزام يجلس في غرفة استراحته وتحين منه التفاتة فإذا بنملة تحاول سحب حبة قمح وتسقط الحبة منها مراراً وتكراراً إلى أن استطاعت ذلك. فكانت تلك النملة حافزاً لذلك القائد على الصبر والاستمرار بمعركته حتى انتصر.

لطالما قامت النملة في أذهان الناس كمثال للبذل والعطاء والنجاح والأمل؛ غير أن الصادم جداً حكايةً قرأتها في هذه الأيام عن نملةٍ مسكينة وقعت فريسة مجتمعٍ فاسد، حكاية تُشبه قصص ابن المُقفّع التي استخدم فيها رمزية الحيوانات في كتابه الرائع "كليلة ودمنة" لينقد من خلاله المجتمع. وحكاية النملة تخبرنا أنها كانت تعمل في مزرعة يمتلكها دبور تتجه هذه النملة صباح كل يوم إلى عملها بنشاط وهمة وسعادة، فتنتج وتنجز الكثير، ولما رآها الدبور تعمل بكفاءة متناهية دون إشراف قال لنفسه:

"إذا كانت النملة تعمل بكل هذه الطاقة دون أن يشرف عليها أحد فكيف سيكون إنتاجها

لو عينت لها مشرفاً؟

وهكذا قام بتوظيف الصرصور مشرفاً عاماً على أداء النملة ًفكان أول قرار لذلك الصرصور هو :

١. وضع نظام للحضور والانصراف .

٢. توظيف سكرتيرة لكتابة التقارير .

٣. تعين العنكبوت لإدارة الأرشيف ومراقبة المكالمات الهاتفية.

ابتهج الدبور بتقارير الصرصور وطلب منه تطوير هذه التقارير بإدراج :

أ. رسوم بيانية

ب. تحليل المعطيات

ج. بيان آلية العمل المستقبلية لعرضها في اجتماع مجلس الإدارة القادم، فاشترى الصرصور :

١. جهاز كمبيوتر

٢. طابعة ليزرية

٣. عيَّن الذبابة مسؤولة عن قسم نظم المعلومات

كرهت النملة المجتهدة كثرة الجوانب الإدارية في النظام الجديد، والاجتماعات التي كانت تضيع الوقت والمجهود، وتجعل منها موضوعاً للنقد.

وعندما شعر الدبور بوجود مشكلة في الأداء قرر :

١. تغيير آلية العمل في القسم.

٢. تعيين الجرادة لخبرتها في التطوير الإداري، فكان أول قرارات الجرادة .

١. شراء أثاث جديد .

٢. شراء سجاد من أجل راحة الموظفين.

٣. تم تعين مساعداً شخصياً لمساعدتها في وضع الاستراتيجيات التطويرية وإعداد الميزانية.

وبعد أن راجع الدبور تكلفة التشغيل وجد أن من الضروري تقليص النفقات وتحقيقاً لهذا الهدف عيّن البومة مستشاراً مالياً، وبعد أن درست البومة الوضع لمدة ثلاثة أشهر رفعت تقريرها إليه حيث توصلت فيه إلى أن القسم يعاني من تكدس العمالة الزائدة.

فقرر الدبور فصل النملة عن العمل!!

هذه القصة بكل رمزيتها تضع أيدينا على الجرح وأبصارنا على مواطن الخلل.

من خلال قصة هذه النملة نبصر تماماً كيفية قتل المبدعين والمجتهدين.

إن النملة وإن ظُلمت في هذه الحكاية والتي تتكرر في مجتمع الفاسدين، غير أنها ستبقى رمز للعامل المجد المعطاء. وسيبقى قولها منقولاً عبر أثير الكادحين، وسيبقى أهل العقول الراجحة يستشهدون بقولها: (قالت نملة).

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة