كيف يجسد الأديب حدثاً تصويرياً وارتباطاً مجتمعياً

العدد: 
15281
أربعاء, 2018/04/11

يرى الدكتور شوقي ضيف فيما يخص معالم الأدب أن الصور الأدبية بنماذجها الشعرية والنثرية تخاطب العاطفة وتسبر أغوار العوالم النفسية والبعد الشعوري والحسي عند الناس .. والأدب في جوهره يهدف إلى إثارة الانفعالات في قلوب القراء والسامعين، لذا فإنه يعتمد على الخيال الواسع والممتد وعلى التركيب الكلي لآثاره وعلى عناصره الجزئية ووحداته المفردة .. فعلى هذا النحو يكون الأديب بما يلاحظ في لغته التصويرية وما يتداخل فيها من التشبيه والكناية والاستعارة والمجاز لا يتحدث حديث الشخص العادي المجرد كلامه من التصوير بل يتحدث حديثاً تصويرياً يختلف باختلاف مزاجه ومواقفه وأحاسيسه ومشاعره.

إن الأديب في حالة الحزن عندما يقف على شاطئ البحر يحسه فيئن ويلهث من الضيق والتعب وكأن صراعاً ناشباً بين أمواجه ورمال الشاطئ، وتدور به الأيام وتتبدل حالته النفسية نحو السعادة ويقف في المكان نفسه وأمام البحر نفسه فيراه متلألئاً متألقاً ضاحكاً وكأن لقاءً سعيداً ينعقد بين أمواجه ورمال الشاطئ، كأن حبيباً متيماً يلامس حبيبته ويرتد على استحياء وقد أشرب وجهها حمرة الخجل. وهذا يوضح اختلاف التصوير الأدبي باختلاف حالة الأديب النفسية والشعورية.

هذا التباين لا يتضح في المواقف وحدها بل يتضح أيضاً في المادة اللفظية وما يجري فيها من تصوير فإذا تخيل أديب أقحوانة كأنها ناسكة فهو يصور بهذا التخيل معنيين: معنى اللطف والحشمة ومعنى الوقار والخجل، وإذا وصف أديب أفواهاً بأنها عمياء عبر ذلك عن تعثر الكلام فيها أو اضطرابها أو نطقها بما لا يليق .. وفي تصوير آخر يرى الأديب زهرة ذابلة فيعلل سبب ذبولها بأن يداً آثمة امتدت إلى أخت لها فقطفتها فسرى في داخلها حزن عميق أصابها بالشحوب وبمثل هذا التصوير يبث الأديب في عناصر الطبيعة أفكاراً ومشاعر وضروباً من الأحاسيس والعواطف. لذلك نجد الأدباء حين يأتون بالتصورات يمتعونا إذ يخاطبون نفوسنا. فعندما تقول في طلوع الفجر (ظهرت أضواء الفجر) أو تقول: (رأيت من خلال النافذة أنامل الفجر الرمادية وهي تنشب أظافرها في أعماق النجوم المرتعشة الشاحبة) أساس الفرق بين القولين هو الخيال وتأثير الصور الأدبية في أنفسنا إذ نعيش فيها عيشة الحالمين فنتأثر بها تأثراً عميقاً وتترك فينا شعوراً جميلاً وإحساساً لطيفاً.

ففي الأدب ووفق معاينة الصراع والتصاعد بقصد النشوء والارتقاء والوصول إلى منتج أدبي مكتمل المقاييس لا بد في ذلك من الأفكار والتصورات والخوالج والخواطر والمعاني والقيم حتى يؤثر فينا هذا الأدب ونستمتع بإحساسه. لأنه يخاطبنا ويحدثنا وبقدر فهمنا له تكون متعتنا بألفاظه وما يحمل من غذاء لعواطفنا ومشاعرنا وهو غذاء روحي قد يداخله العقل والفكر لكنه لا يتحول عن وظيفته وهي إثارة الانفعالات والعواطف في الإنسان بهدف النهوض به على أكمل وجه.

إن الأدب ببعده الوظيفي وعلى ضوء ما تقدم ليس وعاء من أوعية الذهن والفكر إنما هو وعاء للمشاعر والعواطف الإنسانية .. لذلك لا يتطلب منه أن يؤدي حقائق ذهنية لأن وظيفته الأساس تأدية حالات ومواقف وجدانية، ويدلل على ذلك بأن الحقيقة الواحدة عند الأديب تتبدل بتبدل أحواله وعالمه الحسي والشعوري، فإذا كان الأديب فرحاً يتراءى له كل شيء في الطبيعة كأنه يداعبه ويضاحكه. أما إذا كان حزيناً فإن كل شيء في الطبيعة كأنه يعانده ويسخر منه ومن حزنه بظرف من العبوس والتجهم، هنا نجد أن الطبيعة وعناصرها لم تتبدل إنما تبدل مزاج الأديب فتبدلت الحقائق في خياله وتصوره، فعلى هذا الأساس يجب ألا نحكّم الأخلاق والصدق والكذب في الأدب لأنه لا يقصد به الوعظ والتربية بل يقصد به التأثير في العواطف والأحاسيس والمشاعر والوجدان.

وفي سياق متصل فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا بشأن (علاقة الأدب بالمجتمع) هو: هل الأدب منفصل بطبيعته عن حاجات مجتمعه وما يسود فيه من قيم أخلاقية واجتماعية؟ الشيء المؤكد في هذا الإطار أن الأدباء مهما بلغوا من شأن فهم لا يستطيعون البقاء في أبراج عاجية منعزلين عن مجتمعاتهم وكل ما فيها من قيم ومعان مادية ومعنوية. من الصحيح القول: إن للأدب قيمته العاطفية الذاتية لكن الصحيح أيضاً أنه يجب أن يضيف إليها تعاطفاً وثيقاً مع الجماعة التي يعايشها لذا كانت دائماً تبرز فيه قيم مجتمعه والقيم الإنسانية العامة مما يجعل له مكانة بارزة في المجتمع.

بذلك نجد الأديب يمتزج بمجتمعه حتى يكون جزءاً لا يتجزأ منه وحتى يعبر عن كل خواطره الجماعية وكل ما يموج به من أفكار وأحاسيس بمناخ يحقق له حريته وذاتيته كونه يعيش هذه الطقوس ويحسها في أعماقه وتنعكس في آثاره وتترك بصمتها الفريدة في الأرواح والنفوس.

ونخلص إلى القول: إن الأدب يجسد من جهة (حديثاً تصويرياً) لأنه يعتمد بصورة مركزية على حديث الأديب وخياله ومشاعره والظروف المحيطة به في رسم الأحداث والوقائع التي تترك أثرها المتوقع في الحقل العاطفي والحسي للمتلقي .. كما يجسد من جهة ثانية (نشاطاً ذاتياً غيرياً في الوقت نفسه) فهو ذاتي في صدوره عن صاحبه وأحاسيسه ومشاعره وهو غيري في تصويره لمشاعر الناس وأحاسيسهم وكل ما يموج به مجتمعه من قيم متنوعة، بذلك كانوا حين يقرؤون أديباً لا يقرؤونه وحده بل يقرؤون أنفسهم وأنفس من حولهم، كأنهم يعيشون أحاسيسهم وأحاسيس مجتمعاتهم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أيهم ناعسة