طقوس أبناء حلب الرمضانية

العدد: 
15308
ثلاثاء, 2018/05/08

حلب-2004م

إنه اليوم الأول من رمضان ... همس حذيفة في سره, فأيام شهر رمضان المبارك هي الأيام الفَرحِة طيلة العام, الأيام التي تحمل الهناءة للكبار والصغار على حد سواء.

تأمل حذيفة شوارع حلب فرآها تبدو كخلية النحل, بيوتها عامرة بالدعوات فاليوم ستجتمع أسرة حذيفة الكبيرة في منزل الجد كعادتها دائماً.

أنهى حذيفة فريضة صلاة العصر في مسجد الصديق في حي الجميلية فبدا باب مسجد الصدّيق الرئيسي ممتلئاً بسيل عارم من المصلين حال الانتهاء من الصلاة.

 توجه حذيفة مباشرة لمحل "الحلواني" القريب من المسجد ليحمل معه أنواعاً من الحلويات لمنزل جده كما أوصاه والده, وهناك تناهى إلى مسامعه صوت الموشحات الدينية المنبعثة من محل التسجيلات المجاور لمحل الحلواني فاهتز قلبه طرباً, واشترى حلويات هي رقائق محشوة بالفستق الحلبي الشهي, ثم توجه لشراء "المعروك" الطازج المحشي بالتمر الطري اللذيذ المميز برائحته الزكية والخارج للتو من الفرن.

وما أضحك حذيفة يومها طفل في السابعة اختبأ خلف إحدى السيارات وتناول بعض الحلويات, وأفرحه مرأى الأطفال ممن هم في عمر أكبر من سن التاسعة يمشون بتثاقل وعلامات الصيام بادية على محياهم.

ارتاد حذيفة باص القلعة من موقف البريد وتوجه نحو المدينة القديمة وما إن وطأت قدما حذيفة المدينة القديمة حتى شعر أنه دخل لعالم مبهر يحمل العادات الحلبية الأصلية في أدق تفاصيلها.

حال وصول حذيفة لمنزل جده ضغط على زر " الأنترفون " المثبت قرب الباب الحديدي الضخم المزين بقطع نحاسية ليشتم رائحة لذيذة هي رائحة الطعام الشهي الذي تطهوه جدته بمساعدة عماته.

أطل صوت طفل من "الأنترفون" قائلاً: من بالباب؟

فأجاب: حذيفة.

فأطل صوت الجد قائلاً : ادخل يا نظري.

وما إن فُتِح الباب الحديدي حتى شعر حذيفة أنه يرى الجنة بذاتها ...تأمل شجرة الليمون وشجرة الكباد وشجرة "الأنكي دنيا" الموزعات بجمال حول باحة الدار التي تتوسطها بركة الماء فيما تتوزع النقوش الأثرية الحجرية حول النوافذ المطلة على تلك الباحة.

وهنا توجه حذيفة نحو المطبخ عبر صحن الدار ليلقي السلام على الجدة فوجدها تتابع عمل حفيدتها التي تقوم بقلي "الكبة " مستخدمة "البوتوغاز" ذا الرأس اليتيم الرابض قرب باب المطبخ في باحة الدار المسماة "أرض الديار" والجالسة على كرسي خشبي خفيض مصنوع من القش لتقوم بالقلي خارج المطبخ لئلا تنتشر رائحة القلي في المطبخ الحديث.

صعد حذيفة الدرجتين المرمريتين ودلف إلى المطبخ الحديث الراقي ذي الجدران المكسوة بالسيراميك الأبيض والممتلئ بالخزائن المصنوعة من الخشب والمطلية باللون البني المسمى "الموبيليا " ويعلو الخزائن السفلية رف من المرمر الأبيض اللامع, كما تبدو الصحون الخزفية الصينية من خلال الأبواب الزجاجية للخزائن العلوية.

وجد حذيفة الجدة تراقب "الكبة بالصينية" القابعة داخل الفرن الكهربائي, ثم توجهت نحو البراد الضخم الموضوع في صدر المطبخ وفتحت قسمه العلوي لتراه ممتلئاً لحد الإشباع, وتفقدت الثلاجة المجمدة "الفريزر" المستطيلة الشكل المسلتقية قربه فقامت بفتح المجمدة لتجدها مكتظةً بأنواع اللحوم والأسماك والفروج المجمدة, فأخرجت منها كيسين أحدهما مملوء بأقراص "عش البلبل " والآخر بـ "اللحم بالعجين " ثم وضعتهما في صحون زجاجية تمهيداً لإدخالهما ل"المايكروويف".

وباقتراب موعد آذان المغرب توجه كل فرد من أفراد الأسرة إلى المطبخ ليحمل صحناً ويضعه على طاولة الطعام وحال اكتمال أصناف الأطعمة بدت طاولة الطعام مزدحمة بشتى أنواع الأطعمة الشهية ذات الرائحة الزكية, ولاسيما أن جميع المتحلقين حول الطاولة صائمون ...

وحين ارتفع الأذان صمت الجميع ثم قال الجد بصوت خاشع: اللهم إني لك صمت وعلى رزقك أفطرت.

فردد الجميع خلفه وقام الجميع بتناول حبة من التمر الموزع على صحنين ضمن المائدة العامرة بالمأكولات الشهية, ثم شرب الجد كأساً من الماء وردد: ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله.

فقلده الجميع واقتدوا به, وابتدأ حفل الطعام.

وهكذا أمضى حذيفة أول أيام شهر رمضان المبارك برفقة أسرته الكبيرة الغالية كما يمضيها معظم الحلبيين ليعيشوا الطقوس الرمضانية الرائعة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش