الحرب النفسية

العدد: 
15308
ثلاثاء, 2018/05/08

عندما يستحكم العداء بين طرفين سواء كان بين شخصين أو دولتين وثقافتين يسعى كل طرف إلى إلحاق الأذى بالطرف الآخر وذلك باتخاذ وسائل وأساليب تستهدف كينونة العدو وعقله وفكره وتسعى إلى بث الخوف والرعب وعدم الثقة بذاته ووطنه مما يؤدي إلى تدميره.

تنشأ العداوة حين يكون هناك اختلاف في وجهات النظر في أمر من الأمور أو اختلاف في الرأي والفكر وقد يكون بسبب الصراع على أحقية طرف دون آخر على شيء من الأشياء أو مكاسب ومناطق للنفوذ يسعى الطرفين إلى استحواذها.

أيضاً فإن اختلاف البشر في الملكات والمواهب والنعم يؤدي إلى حسد بعضهم البعض أو سعي البعض إلى ما يمتلكه الآخرين وحيازته. إذ يقوم الحاسد والطامع بالسعي إلى زوال نعمة الآخر بأساليب عديدة كالتشهير بالخصم وإلصاق التهم  الكاذبة والافتراءات أو معارضته في أمر أو في فكر واعتقاد يكون يقيناً وديناً له مما يؤدي إلى إحباطه وفشله.

وغالباً ما تعرف الحرب النفسية بأنها الاستعمال المخطط والممنهج للداعية ومختلف الأساليب النفسية للتأثير على آراء ومشاعر وسلوكيات العدو بطريقة تسهل الوصول للأهداف المرجوة كما أنها وسيلة مساعدة لتحقيق الاستراتيجية القومية للدولة وتشهد في وقت السلم والحرب على السواء وتستخدم فيها كل إمكانات الدولة ومقدراتها السياسية والاقتصادية والإعلامية وغير ذلك من القوى التي تتفاعل مع بعضها البعض لتحدد كيان المجتمع وشكله.

ويسعى كل طرف من أطراف النزاع قبل المعركة وفي أثناها إلى إضعاف موقف الطرف الآخر عن طريق شن هجوم عنيف على القوى الروحية والنفسية لديه. وفي نفس الوقت يسعى إلى تقوية موقفه الدولي والاستراتيجي. ويجدر الإشارة إلى أنه لكي تنجح الحرب النفسية ضد العدو لا بد من دراسته دراسة عميقة موضوعية وذلك لمعرفة مقومات شخصيته من دين ولغة وتاريخ وأهداف وأسلوب حياة ونظام اجتماعي وتركيب اقتصادي إضافة إلى الميراث الثقافي والحضاري وكذلك معرفة المبادئ النفسية التي يقوم عليها وقدرته على تطبيقها. فبدون هذه المعرفة والدراسة لا يمكن التأثير على العدو وكسب الحرب النفسية ضده.

وللحرب النفسية أسماء متعددة منها الحرب الباردة والحرب الإيديولوجية وحرب الأعصاب والحرب السياسية وحرب القوة الفكرية وهي تهدف في المجال الخارجي إلى التأثير على آراء وسلوك وعواطف جماعات بشرية أو دول أجنبية معادية أو محايدة أو صديقة بهدف تحقيق سياسة الدولة ومصالحها.

ففي حرب الأعصاب مثلاً يقوم هذا العامل بصورة رئيسية على تبادل رسائل التهديد والوعيد وأحاديث الثأر والانتقام مع تعظيم قدرة الذات ومطالبة الآخر بالخضوع والاستسلام وتقديم التنازلات السياسية والاقتصادية والجغرافية وغير ذلك.

وقد كان العرب والمسلمون في هذه الحرب تارة في موقع الهجوم وتارة في موقع الدفاع غير أنهم في كلا الحالتين كانوا يثيرون الرعب في نفوس العداء بما سلكوه في خطاباتهم وردودهم من عبارة موجزة ولهجة صارمة واثقة مع ما يستدلونه على ذلك من غموض هادف ومحسوب الأمر الذي كان يوقع أعداءهم في حالة من الحيرة والإرباك وعدم التقدير الدقيق لظروف الموقف.

ولنا أن نتذكر رسائل رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم إلى هرقل ملك الروم وملوك فارس والحبشة ومصر لنعرف دقة الخطاب وبلاغته وتأثيره في نفوس الأعداء.

ففي رسالته إلى ملك الروم يقول ( بسم الله الرحمن الرحيم . من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين . يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) ونرى أن الرسالة تحدثت عن الأريسيين وهم بسطاء الروم وضعفائهم ومزارعيهم فيكون القصد من رئاسة الناس أمانة في عنق حاكمهم فإن أضلهم فسيبوء بذنوبهم .

وفي حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد على جدوى الحرب النفسية في نفوس الأعداء حين يقول : ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) وهذا يعني أنه إذا كان له عدو من الكفار فإن عدوه يكون مرعوباً منه ولو كان بينه وبينهم مسافة شهر ومن المعلوم أن الرعب إذا نزل بالأعداء فإنهم لن يستقيموا أبداً ولن يصمدوا أمام من يقاتلهم وهو من أكبر العون على النصر . نظراً لما كانوا قد سمعوا عن أداء المسلمين وشجاعتهم في القتال، ولعل أهم الأساليب النفسية التي طبقها المسلمون في الحرب كانت كما يلي :

إيهام الخصم :

وذلك من خلال وضعه أمام تصورات غير واقعية. وخاصة فيما يتعلق بالعتاد والقوات وإبقائهم في حيرة حول الحجم الحقيقي وقد نجح هذا الأسلوب نجاحاً كبيراً فكان كثير من الأعداء قبل أن يلتقي جيشهم مع جيش المسلمين كما في غزوة بني سليم ومنهم من كان يطلب الصلح.

وبشكل عام كان إيهام الخصم يحطمه قبل المعركة التصادمية والأمثلة كثيرة فقد خرب بنو النضير منازلهم بأيديهم من الرعب الذي أصابهم وهرب بنو لحيان عندما تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم نحوه بجيشه، وعندما وجه رسول الله صلى الله وعليه وسلم علياً بن أبي طالب رضي الله عنه  على رأس سرية علي بن أبي طالب لبني سعد ولوا الأدبار قبل وصول السرية وقال رئيسهم  وهو يهرب : سارت إلينا جموع محمد ولا طاقة لنا به، وقد ذكر الواقدي أن سرية علي بن أبي طالب لبني سعد كانت مما يقدر بنو سعد على مواجهته  لكن وهمهم هزمهم فتصوروها سرايا بدليل قول رئيسهم ووصفه السرية بأنها جموع وفي الحديبية ندب الرسول صلى الله عليه وسلم الجيش وأمر أن توقد النيران الكثيرة والكثيفة ليعلم العدو أن جيش المسلمين قوي ولا طاقة لهم به.

وكان يرسل العيون إلى العدو فتنشر بين صفوفه ما يفت من عضده ويحطم معنوياته كإرساله معبد الخزاعي إلى قريش قبل غزوة حمراء الأسد فتكلم بكثرة عن جيش المسلمين ووفرة عتاده وإصراره على الثأر والانتقام فأثر ذلك في نفوسهم وانسحبوا.

وقد تتشعب تلك الحرب إلى حرب فكرية بين مثقفي الطرفين فتنهار فيها قواعد المنافسة الثقافية لتحل محلها قواعد مناقضة غالباً ما تنتمي إلى مجالات أخرى غير المجال الثقافي فتعيد النظر كلية في نظام العلاقات الثقافية بحيث تفضي إلى عجز عن تنمية القيم الثقافية وترشيد المنافسة بين مثقفي الطرفين فترى انتشار لغة الذم والقدح والتشهير والتشنيع المتجه إلى تسفيه الخصم والتحريض ضده على النحو الذي يحشر الخصم في زاوية الاتهام.

ففي المنافسة الثقافية يجري الاعتراف بالخصم والإصغاء إلى خطابه قبل تأليف رأي نقدي فيما يقوله أما في الحرب الفكرية فتسود لغة الإقصاء والانكار واختلاق القصص والأساطير وإذاعتها في صفوف الشعب.

 ويلعب استخدام الدعاية الإعلامية وغيرها من الوسائل التي يمكن أن تؤثر في الجماهير وتسبب خلل وضياع بالتفكير وقتل الروح المعنوية للعدو المستهدف.

فالحرب النفسية أخطر من الحروب التي تستخدم فيها القوة والعنف وقد أوضح تلك النقطة نابليون بونابرت حين أكد أن حرب العقل أقوى من حروب الأسلحة وهناك قوتان في هذا العالم العقل والسيف وعلى المدى الطويل كان العقل هو المنتصر دائماً على السيف لأن الحرب النفسية توجه تأثيرها على أعصاب الناس ومعنوياتهم ومعتقداتهم وتكون في الغالب مقنعة بحيث لا ينتبه الناس إلى أهدافها ولا يحتاجون لها ، فأنت تدرك خطر القنابل والمدافع وتحمي نفسك منها ولكن الحرب النفسية تتسلل إلى نفسك دون أن تدري وكذلك فإن جبهتها ونواحي الصراع فيها أكثر شمولاً واتساعاً من الحرب العسكرية وهي جزء أساسي في الحرب الشاملة لذلك فهي تشن قبل الحرب وفي أثنائها وفي أعقابها وهي لا تخضع لرقابة القانون ولا للتقاليد الحربية بل إنها عملية مستمرة وبعيدة المدى وليس من الضروري أن يظهر تأثيرها مباشرة مثل المعارك الحربية بل إن نتائجها قد لا تظهر إلا بعد شهور أو سنوات وعقود .

يقول المخطط العسكري الصيني إن أعظم درجات المهارة هي تحطيم مقاومة العدو دون قتال فالهزيمة حالة نفسية تؤدي إلى الاقتناع بعدم جدوى المقاومة أو الاستسلام والتوقف عن الحرب فإذا اقتنع بالهزيمة وبعدم جدوى المقاومة تحقق الهدف من الحرب.

ويحدثنا التاريخ عن أصناف وأساليب من تلك الحرب منها:

(صافرة الموت من أزتيكا)

فقد وجد الأثريون بأحد معابد الأزتيك بالمكسيك صافرة على شكل جمجمة إنسان وتم التعامل معها في ذلك الوقت على أنها مجرد تحف أو زخارف ولكن بعد اكتشافها بسنوات اكتشف الخبراء أو تلك الصافرة تقوم بإصدار صوت غريب ومخيف تقشعر له الأبدان صوت تم وصفه من الخبراء بأنه يشبه صوت /100/ إنسان وفسر العلماء أن تلك الصافرة هي واحدة من أدوات الحرب النفسية لدى حضارة الأزتك .

(تيمورلنك وجبل الجماجم)

وكان لتيمورلنك نصيب تاريخي من الحرب النفسية والتي اعتمدت على بث الرعب في قلوب أعدائه من خلال إبراز العقاب الذي يتلقاه من يقف أمامه والطريقة التي اختارها ليرهب بها أعداءه وهي بناء جبل من جماجم ضحاياه الذين ذبحوا على يد رجاله وليكونوا عبرة لأي شخص تسول له نفسه أن يقف أمام هذا الغازي .

(الجيش الانتحاري والحرب النفسية في الصين)

إذ من المعروف أن الحرب أمام شخص ليس لديه ما يخسره هي حرب مخيفة وهذا أمر أدركه أحد ملوك الصين واسمه (جوجيان) وتلك الحرب ينفذها الصف الأول من جنوده أمام جيش العدو في أرض المعركة حيث يقومون بذبح أنفسهم وقطع رقابهم بأيديهم، الأمر الذي يسبب الصدمة والرعب في جيش العدو ويهجم جيش الملك جوجيان قبل أن يفهم جيش العدو حقيقة ما يحدث .

(حملة الغضب والحرب العالمية الثانية)

كانت الخطة الدعائية أثناء الحرب العالمية الثانية هي (الحقيقة ولاشيء سوى الحقيقة) ولكن كل هذا لم يقف عقبة في طريق وزارة الداخلية البريطانية لتقوم ببعض الدعايات والتلاعب بالرأي العام أثناء الحرب العالمية الثانية ولأن قرار وزير الداخلية البريطاني هو شحن طاقة الغضب لدى الجماهير تجاه العدو النازي ومن خلال الحقيقة أيضاً بدأت وزارة الإعلام بشن حرب نفسية من خلال الدعاية والشعارات التي تشير إلى وحشية النازية من خلال إذاعة أخبار ملفقة وسرد أمور كاذبة تشحن المواطنين ضد العدو النازي .

ومن جديد أكد خبراء علم النفس أن الحروب النفسية المعتمدة على الحملات الدعائية يمكن تمريرها بسهولة عبر الشبكة العنكبوتية إذ أصبحت أكثر أنواع الحروب النفسية خطورة وتأثيراً بسبب الارتباط النفسي للبشر بالتكنولوجيا الأمر الذي جعلهم هدفاً أسهل والوصول إليه أصبح أسرع وأكثر تأثيراً إذ ليس من الضروري أن يكون للحرب النفسية أي سند من الحقيقة فقد تختلق أبواق العدو من خلال الشبكة العنكبوتية القص والأساطير وتعمل على إذاعتها بين صفوف الجماهير معتمدة في ذلك على عدم تحصين عقول أفراده ضدها فقد يذيع بيانات عسكرية عن وقوع معارك وإحرازه انتصارات باهرة قد تؤدي إلى بلبلة أفكار الشعب وإلى إضعاف الروح المعنوية وانخفاضها والشعور باليأس وانتشار نزعات استسلامية وتيارات انهزامية وفي كثير من الأحيان تؤدي الحرب إلى انعدام ثقة الشعب بالهيئة الحاكمة وعدم التفاف الشعب حول قادته .

واليوم وبعد ما حدث ويحدث وما يمكن أن يحدث مستقبلاً أصبح لزاماً علينا أن نحصي ونحلل كم من الحروب التي ذكرناها قد مورست ضدنا وما هو تأثيرها علينا وما هو أخطرها وأشد إيذاءً وإيلاماً لنا وكيف لنا أن نواجه تلك الهجمات والحروب التي توجه ضدنا .

لاشك أن ما يحدث لبلدنا اليوم هو من أخبث وأدهى الحروب على مرّ التاريخ وقد اطلعت على كثير من أخبار الحروب وأسبابها وخفاياها وما بها من مكائد وحبائل فوجدت أن ما خطط ورسم لنا يفوق ما قد رسمته شياطين الإنس والجن فقد شاركت إمبراطوريات إعلامية وسينمائية وعلى مدى عقود طويلة بالعمل على تشويه صورة الإنسان العربي ولتجعل رحماء الأرض وحملة رسالة الإنسانية إلى البشرية جمعاء هواة قتل وتدمير والأخطر من هذا هو أننا حوربنا في إيماننا ومعتقداتنا وديننا السمح الحنيف وهويتنا الوطنية فلم يسلم شيء من مكرهم وأذاهم ولا يمكن أن نرى بغضاً وكرهاً كبغضهم وكرهم لنا وها هم يحاولون تجريدنا من كل ما نملك حتى لقد طال أذاهم لغتنا الجميلة وها هم يحاولون ما استطاعوا القضاء على لساننا العربي القويم .

وليس لنا أمام تلك الحرب الشعواء إلا العمل على التصدي لهذه الحروب وذلك بتدعيم الإيمان الحق بأنفسنا وتراثنا وديننا السمح ضد تهديدهم ووعيدهم وغرس قيم الشجاعة والتضحية والشهامة في نفوس المواطنين في سبيل نصرة الحق ومحبة الأوطان وتقع مسؤولية مقاومة الحرب النفسية على كل مواطن وذلك بتكذيب الأخبار والإشاعات المغرضة والقيام بالتوعية وتنمية الشعور بالثقة بالنفس والإيمان بالله والوطن .

لأن الثقة بالنفس أساس كل نجاح كما أنها الدعامة القوية التي يقوم عليها صمود الشعب واستمرار نضاله وغرس القيم الدينية والخلقية حتى لا ندع مجالاً لتسرب المبادئ الانهزامية إضافة إلى تنمية العلاقات الودية بين المواطن والمسؤول وخلق جو من الثقة بينهما .

قال تعالى: (والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) صدق الله العظيم .

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي