قد مات قوم وما ماتت فضائلهم

العدد: 
15309
أربعاء, 2018/05/09

تزدهي الشعوب بأبنائها المخلصين وترتقي المجتمعات بمفكريها وعلمائها وأدبائها وبإعلامييها الذين ساهموا بنشر الفكر ومفاهيم الخير والفضيلة منطلقين من نظافة المشاعر، ومن إيمانهم بقيمة علمهم وصفاء عملهم ،وتلك بواعث إيمانية راسخة تعكس نواياهم التي ترتكز على أسس أخلاقية، وهؤلاء أعطوا مجتمعاتهم حالات من الرقي العقلي التي تظل على الدوام تنسج حركة الوجود ارتقاء وخلوداً.

وبعيداً عن الحياة الصاخبة ومآسيها القاتلة تبدو الحقيقة ثابتة فيما يتصل بما وراء المحسوس إدراكاً لما يتأتى من مشهد الفناء الذي ينتهي إليه كل حي على ظهر المعمورة وفي دنياه، وليس بإمكانه دفعه حتى ولو على نفسه، وقدوم الإنسان إلى هذه الدنيا يجري بقدرة إلهية قادرة وبحكمة بالغة، فالموت ليس نهاية مطاف الحياة البشرية ،وإنما هو حلقة من حلقات النشأة المقدرة والتكوين الأبدي، وليس الإنسان موجوداً عبثاً لا طائل من وجوده وخلقه وإنما لاستكمال مسيرة الحياة الأبدية والخلود السرمدي تواصلاً مع عالم الغيب والروح ،قال الله تعالى في محكم تنزيله :" ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً ".سورة الإسراء آية 85.

وفي زمن ليس ببعيد رحل عن مؤسساتنا الإعلامية من هذه الدار الفانية إلى برزخ الآخرة عدد من الزملاء الصحفيين منهم أحمد قرنة، فيض الله غادري، أسعد رشواني، عبد الرحمن حمادي، سفر هنداوي ،إبراهيم طيبي، فاروق قلة ... وبالأمس القريب رحل عنا الزميل محمد الراشد يوم الخامس عشر من شهر آذار لعام 2018م ،رحمات الله عليهم جميعاً وجعل مثواهم الفردوس الأعلى ، وهؤلاء الزملاء الصحفيون كلهم كانوا قاماتٍ مضيئةً في واقعنا الاجتماعي والإعلامي ،أناروا الحقيقة بروحهم الوثابة وبصيرتهم الناقدة وأضاؤوا سفر الوجود بأفكارهم النيرة والمستنيرة برصدهم لهموم الآخرين وقضايا المكروبين، وغايتهم تبيان ما كانوا يصبون إليه من طموحاتهم في مقالاتهم التي تمحورت حول استنهاض حياتنا الاجتماعية والأخلاقية.

والإنسان في هذه الدنيا الزائلة لا يحفل بوشيجة غير وشيجة إخلاصه لمجتمعه وأقرانه، ومهما ارتقى في مدارج الزمن فإن لم يكن صوت الحق في مجتمعه الذي خلق فيه فلن تسع وجاهته ولا عظمته ولا طوْله الآخرين إلا بحلمه وسعة صدره وثبات تواصله مع بني جنسه ،وكما قال الرسول العربي محمد صلى الله عليه وسلم :" إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".

كان زميلنا الراشد مخلصاً في عمله داعياً إلى الآصرة الإنسانية التي تليق ببني البشر، يبتعد عن المهاترات الحياتية وبؤسها التي تسلب الحق وتصيب القلب، فبادل تناقضاتها بالحجة المقنعة وبالاصطفاء الأخلاقي إذ جعلها برهاناً ينتهي إليها بوازع ضمير ورقة شعور وبسمة محب.

وأشد ما كانت تؤلمه نوازع الشرور ينظر إليها على أنها مهلكة للمرء ومبعث كل سوء ومنحدر كل قطيعة فلا ييأس من موادة هادئة ومخادنة سمحة ترقى إلى نبل الصفاء وكمال الأوفياء، وأستذكر قول الشاعر الذي حاكى الموت وفضائل المرء:

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم     وعاش قوم وهم في الناس أموات

كلنا راحلون عن هذه الدنيا وكلنا مع قابل الأيام نفقد بعضنا، وننعي بعضنا بعضاً، وكل وارد ورده والله المستعان.

أسكن الله تعالى زملاءنا المرحومين جنات النعيم وخصهم بواسع أندائه الواسعة وأسبغ عليهم من فيوض رحماته وغفرانه إنه السميع المستجيب، وإلى جنات النعيم يا أبا سعد .. إنا لله وإنا إليه راجعون.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
خالد رستم