حي العزيزية ... حكاية صمود وانتصار

العدد: 
15313
أحد, 2018/05/13

بعد سنوات عجاف عانى خلالها الحلبيون ما عانوه من حصار إرهابي للمدينة وقذائف عشوائية غادرة ومفخخات وتفجيرات إرهابية، دقت ساعة النصر في اليوم العشرين من شهر كانون الأول من عام ألفين وستة عشر، وتحول العيد يومها إلى عيدين ...أولهما إعلان النصر في حلب بأكملها وثانيهما اقتراب الاحتفالات بميلاد السيد المسيح عليه السلام، ورنت القلوب إلى حي العزيزية حيث ستعود شجرة عيد الميلاد المجيد لتزين ساحة الحي العريق الراقي بعد حرمان الحلبيين من مظاهر العيد لخمس سنوات، وعادت شجرة العيد يومها لتشمخ مزهوة بزينتها.

بدأ الاحتفال في الحي منذ عصر ذلك اليوم فقام شبان الحي بتزيين ساحته بالمصابيح الكهربائية وعلقوا على شرفاتهم الرايات والأعلام، عرف سكان الحي يومها الفرح للمرة الأولى بعد أربع سنوات ونيف من الرعب الذي جرته ويلات الحرب والخوف من القذائف المصوبة نحو حيهم القريب نوعاً ما من المناطق التي يشغلها المسلحون آنذاك.

حين حلّ المساء بدأ الناس بالتوافد إلى ساحة العزيزية التي طالما تحاشى الناس المرور فيها أو حتى الاقتراب منها بسبب شدة القصف الإرهابي عليها، تلك الساحة التي سالت فيها دماء الشهداء الأبرياء وسكن الذعر قلوب أهلها.

في تلك الأمسية الباردة غصت الساحة بالمحتفلين بالنصر وخرج الأهالي برفقة ضيوفهم إلى شرفاتهم التي طالما حرموا من الخروج إليها، ولمعت أضواء الشجرة وتزينت بأحلى الزينات الملونة وأضيء الحي، تقدم الجمع أمهات الشهداء وهن يحملن صور فلذات أكبادهن بكل فخر واعتزاز.

يومها بدا التعاون جلياً بين سكان الحي والجمعيات الأهلية التي بذلت قصارى جهدها لإنجاح الحفل وتنظيمه برفقة الفرقة النحاسية إذ ارتدى أعضاؤها ملابس (بابا نويل) الذي يترافق في قصص الأطفال مع هدايا عيد الميلاد المفرحة، وكأن الفرقة النحاسية جاءت إلى الحي لتهدي أطفاله موسيقا الأغاني الوطنية المحببة ليشدو الجميع أهازيج النصر، وليتسلل السرور إلى قلوب المحتفلين وترقص مهج الأطفال على وقع الموسيقا وتتردد ضحكاتهم بين جنبات الحي.

حي العزيزية حي عريق، يقع الحي في مركز المدينة، وهو من أوائل الأحياء التي بنيت خارج أسوار المدينة القديمة ويعود تاريخ إنشاء الحي إلى العام 1868م، ومن أقدم الأبنية فيه: مخفر العزيزية الذي يعود تاريخ بنائه إلى العام 1900م، وأكثر ما يميزه النقوش الحجرية التي تؤكد تاريخ إنشائه، والجدير بالذكر أن هذا المبنى لا يزال قائماً حتى يومنا هذا ليؤدي مهمته كمخفر للحي تابع لشرطة حلب.

في ثلاثينيات القرن الماضي نشطت الحركة العمرانية في الحي وشيدت أبنية أشبه ما تكون بالقصور على طراز أحدث الأبنية التي كانت تشيد في أوروبا آنذاك، تميزت مباني حي العزيزية بمداخلها الرائعة ونقوشها الحجرية التزيينية وأعمدتها الضخمة وبلاطها الرخامي، وأجمل ما يميزها الحدائق الغنّاء المحيطة بها.

 بنيت تلك المباني بحجارة بيضاء اللون، ماعدا إحداها تلك المسماة (فيللا روز) نسبة إلى حجارها الوردية اللون ويعود تاريخ بنائها إلى العام 1928م، ويقال: إن كل حجرة من حجارها الوردية كلفت ليرة ذهبية في إشارة إلى ثراء سكان الحي في تلك الأيام، كما أقيمت إبان تلك الفترة أبنية طابقية أقل فخامة من غيرها، ومعظم تلك المباني لا تزال ماثلة حتى يومنا هذا مؤكدة عراقة الحي.

ويخترق الحي نهر قويق في صورة بديعة وتحيط به أشجار النخيل التزيينية في صورة بهية وتزداد روعة المشهد ليلاً حين يضاء كورنيش النهر بأبهى الأنوار الملونة ليمسي الحي مسكوناً بالسحر ويصير مرآه مبهجاً للعين مفرحاً للقلب، ويتزين الحي بالمقاهي الحديثة الراقية الموزعة بين الأبنية العريقة في تمازج رائع بين ألق الماضي وحداثة الحاضر.

يتميز حي العزيزية بأسواقه التي يقصدها مجمل سكان حلب على اختلاف مشاربهم وأذواقهم لشراء أحلى وأحدث البضائع المميزة من ملابس وأحذية وأدوات تجميل، عدا عن المحال المتخصصة ببيع أدوات وأثاث المنزل، هذه الأسواق خلت تقريباً من الزبائن أيام القذائف الإرهابية العشوائية الغادرة التي بثت الرعب وخلفت الكثير من الدمار في الأبنية وعدداً من الجرحى والشهداء في الحي.

إلا أن الحي تجاوز المحن بفضل صمود سكانه وعاد له بريقه وعادت مطاعمه وأسواقه إلى العمل بشكل اعتيادي.

حي العزيزية هو الحي العريق الذي شهد انبلاج فجر النصر...حي يبهر كل من زاره لأنه يجمع بين التطور والعراقة بأحلى الصور وأشدها إشراقاً.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش