تأرجح المشروعات بين دقة التشخيص والتباس التنفيذ

العدد: 
15317
خميس, 2018/05/17

في النظرة الشمولية إلى متطلبات التنمية الشاملة وخاصة بعد هذا الكم الكبير من التحديات التي أفرزتها وما تزال تلك الحرب الإرهابية الكونية على سورية يُلاحظ وجود فجوة كبيرة بين مرحلة التخطيط والبحث والدراسات وبين مرحلة التنفيذ ومدى تطبيق ملامح ومقومات ومرتكزات المشاريع الوطنية على الأرض، لكن القاعدة العامة لنجاح المشروعات سواء الصغرى أو الكبرى وتطورها وازدهارها تقول بضرورة قيام علاقة التأثير المتبادل بين منهجية التخطيط واستراتيجية التنمية على أساس وحدة واحدة لا تتجزأ ذات أبعاد كلية وتكاملية، وفي هذا الصدد وخلال السنوات التي سبقت الحرب تبلورت لدى الحكومة آنذاك رؤية أولية بشأن " المشروع الوطني للتخطيط الشامل " الذي يرتكز على مبدأ توفير المناخ التبادلي والواقع التفاعلي بين المستلزمات الوطنية من جهة وحاجات الناس والمجتمع من جهة أخرى.

إن منهج التخطيط الشامل والمتوازن لناحية التكتيك أو الاستراتيجية يتجسد في صورتين أساسيتين: الأولى تتحدد ملامحها في المنطلقات النظرية والإطار المكاني لخصوصية المحافظات والمناطق السورية ومدى القدرات والإمكانات والظروف المتاحة في كل محافظة البشرية والطبيعية والاقتصادية والبحثية والزراعية والصناعية والتجارية والسياحية والأثرية والثقافية ...وغيرها، للعمل على توظيفها واستثمارها بأفضل الطرق والأساليب.

والصورة الثانية: كون التخطيط بمختلف أنواعه وصوره ومستوياته يمثل النواة الأساسية لإحداث تنمية حقيقية وتغيير فعلي مرتكز على البحوث والدراسات العلمية المتخصصة وليس مجرد خطوات وبرامج مرتجلة ومحدودة الرؤية أقل ما يقال عنها إنها مجرد حبر على ورق.

وعند تحليل الواقع العام لمجمل ظروف المرحلة الحالية وأوضاعها نجد التوجه العام للفريق الحكومي منصباً بشكل كبير نحو توفير الاحتياجات الضرورية للناس والتعامل الحيوي مع طبيعة المتغيرات العامة الاقتصادية والاجتماعية والمعطيات السريعة التي تتماشى مع ظروف ووقائع الحرب، ولكن في الوقت ذاته لم تتخل عن النظرة الاستقرائية للمستقبل والبُعد الاستراتيجي في البناء والتطوير وإن كان ذلك بوتيرة أقل والاعتماد في التعاطي مع العديد من المشروعات والقضايا الوطنية العليا على أساس التخطيط المُسبق والبحث العلمي والمخططات التنظيمية النوعية والمعرفة الدقيقة بكافة مستلزمات المشاريع ومقوماتها ومتابعة خطوات تنفيذها وما تحتاجه من مصادر تمويل وكوادر عاملة وبنى تحتية .. إلخ.

إن معظم المشروعات الوطنية الزراعية والصناعية والتجارية والاستثمارية والعمرانية تصطدم على الأقل في الوقت الراهن بمجموعة من العوائق والعقبات والتحديات، فعلى سبيل المثال: مشروع التطوير العمراني والبناء الذي نال زخماً كبيراً بعد هذا التدمير الهائل الذي خلفته الحرب ويشوبه إلى الآن مختلف أشكال العيوب ونقاط الضعف ولعل أهمها ما يتعلق بمشروع التشييد والبناء وما تم تقديمه من المبادرات الفردية والتحركات المحلية المحدودة وذلك كنتيجة طبيعية لعدم وجود قواعد بيانات خاصة بهذا القطاع الحيوي لاسيما مع مرحلة إعادة الإعمار وغياب التشارك والربط بين مشروع التطوير العمراني مع الدراسات العلمية والبحثية المتخصصة بهذا الشأن، ويتوافق ذلك مع ضعف في التخطيط الإقليمي الشامل والمتوازن والمستدام الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى الضعف العام في جودة وكفاءة المشروعات، وفي هذا المضمار هنالك طموحات واعدة ونوعية على صعيد محافظة حلب نموذجاً وذلك من خلال المخطط التنظيمي الجديد الذي سيحقق وفق مصادر المحافظة نقلة نوعية ويجعل من حلب مدينة حديثة وعصرية تراعى فيها جميع نواحي الحياة واحتياجاتها الخدمية والاقتصادية والاجتماعية والصناعية، وفي ضوء مخرجات الدراسات التفصيلية وبصرف النظر عن خصوصية كل منطقة وآلية المعالجات المقترحة فإن التنفيذ على الأرض سيبدأ في العام 2019 وستؤخذ بعين الاعتبار مستلزمات المدينة العصرية والاحتياجات الراهنة والمستقبلية، وبشكل عام فإن أي إنتاج معماري يراعي في الشكل والمضمون معيارين أساسيين: الأول هو النظر في حل مشاكل السكن والإسكان وتلبية الخدمات الضرورية، والثاني هو الحفاظ على هوية المدينة ونسيجها العمراني والتراثي،

وقطاع الاستثمار هو الآخر يتعثر وتشوبه العيوب في ظل انتظار أحكام " قانون الاستثمار الجديد " وشروطه الذي قيل فيه إنه يتضمن العديد من مكامن الخلل ونقاط الضعف ويفتح الباب أمام اجتهادات وتفسيرات متناقضة وأساليب متنوعة للفساد، لذلك من واجب القائمين والخبراء في الشأن الاستثماري تعميق البحث وإيجاد القوانين والتشريعات الحيوية والفاعلة الناظمة التي تحكم العملية الاستثمارية بطريقة منهجية صحيحة وخطوات واضحة ومدروسة تتحقق من خلالها مصالح أطراف الاستثمار وتلبي الاحتياجات بما يؤدي إلى جذب الاستثمارات الخارجية ودعم الاقتصاد الوطني ورفع مستوى أدائه.

وكذلك القطاع الزراعي رغم أهميته البالغة بين القطاعات الأخرى، ودوره الكبير في سد حاجات الأسواق المحلية من المنتجات والمحاصيل، وتشغيل اليد العاملة، ودعم الاقتصاد، ولكن هناك فجوة كبيرة على مستوى التنظيم والمحاصيل الاستراتيجية، وبين الإنتاج والاستهلاك نتيجة الافتقار إلى التصنيع الزراعي، وحتى على مستوى التخلص من الأساليب التقليدية وإدخال الوسائل والتجهيزات الزراعية الحديثة، وتوفير الأسمدة وتنوع المحاصيل واستصلاح الأراضي واعتماد أساليب الري الحديثة، وضعف الخطط الزراعية المتكاملة القادرة على تحقيق الهجرة المعاكسة من المدينة إلى الريف وغيرها من العقبات التي تحد من قدرة ومردودية هذا القطاع.  

وأيضا ًالقطاع الصناعي ليس بأفضل حال لجهة دعم الواقع الصناعي ومستلزمات الصناعة بمختلف أنواعها، أو حتى في خلق مناخ فاعل لنهضة صناعية واسعة ومتكاملة.

إذن إن الإطار الوطني للتخطيط الإقليمي الشامل يمثل الوثيقة الأكثر استراتيجية على مستوى التخطيط الوطني المكاني المحافظات والمناطق، ويشكل مجموعة الاستراتيجيات العامة والمبادئ والقواعد العريضة التي توجه وتكامل بين التنمية الشاملة والاستراتيجية الوطنية القطاعية المركزية، لاسيما أن التخطيط الإقليمي يعمل على توجيه سياسات التعافي وإعادة الإعمار وتحقيق التكامل الاقتصادي بين المشروعات وتحقيق كفاءتها وجودتها وبلوغ عتبات التنمية الوطنية الشاملة المستدامة.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أيهم ناعسة