مجنون الهوى

العدد: 
15319
سبت, 2018/05/19

كانا طفلان يرعيا الأغنام على جبل التوباد، يلهوان معاً لينبض قلباهما الصغيران بحب طفولي...كبر الحب معهما فأمسيا العاشقان قيس وليلى.

كتب العاشق قيس أحلى القصائد واصفاً حبه لليلى العامرية، فسحر بقصائده القراء على مر العصور،إذ أنه كتب قصائد عذبة ذاع صيتها فتناقلتها العرب ورددت القفار أصداءها, تلك القصائد التي كانت وبالاً على حبهما العذري، وهكذا حُرِم العاشقان من الزواج بقرار أجمع عليه كل أفراد القبيلة, أولئك الذين لم تعرف قلوبهم الحب يوماً، ورفضت القبيلة زواج قيس بليلى على الرغم من إحضاره خمسين ناقة مسوّمة مهراً لها.

وحين تقدم ورد خاطباً لليلى جاء إليها أبناء القبيلة بوجوه من قصدير وقلوب من حجارة ليخيرونها بين الموت والزواج بمن لا تحب، فاختارت الزواج بورد كوجه آخر للموت إلا أنه أقل إيلاماً، لتتحول قصائد قيس لمصدر حزن لليلى فتمسي تلك القصائد سيوفاً تلاحقها وعيوناً تحاصرها وماضياً لا تستطيع كتمانه، وليصبح كل حرف من حروفه قيد بمعصمها وحبل يلتف حول جيدها.

وافترق العاشقان منذ ذلك اليوم الحزين، ولم يعودا قادران على جعل الشمس أغنيتهما, وأيقن قيس أنه وأد حبه بكلماته ليتحول إلى مجنون الهوى ويلقب على مر العصور بـ (مجنون ليلى)، وهام على وجهه في الصحارى والقفار مرافقاً الوحوش البرية مرتدياً ملابس قذرة ممزقة ليسأل أينما حل عن مضارب بني عامر غير عابئ بهيئته الرثة وشعره الأشعث ليستدل لاحقاً بالنجوم على مكان المضارب.

شيئاً فشيئاً ساءت حالة قيس العقلية فصار يهذي بكلام غير مفهوم حتى يأتي أحدهم على ذكر ليلى فينشدها أعذب الأشعار ويهجو زوجها بأفظع الألفاظ.

كرهت ليلى قيس لأنها أرادت الحياة بعيداً عن حب قيس لها، ذلك الحب الذي حولها لشجرة يابسة لا تزهر ولا تثمر, لتردد دائماً: فليذهب الشعراء إلى الجحيم فهم يأسرون معشوقاتهم بكلماتهم.

وجد قيس ميتاً بين الصخور بعد أعوام من جنون الحب، ليعود حبه ليتسلل لقلب ليلى فتشعر أن قصائده أغنية جميلة تتهادى في عروقها... أغنية ذات إيقاع صاخب ...ذلك الإيقاع الذي سيصم أذنيها إلى الأبد.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش