رمضان تجلي القرب

العدد: 
15319
سبت, 2018/05/19

تحلو بحمدك كلمتي...

وتضيئ باسمك دعوتي

فلك الثناء إلهنا...

قُدِّستَ ربَّ الكعبةِ

أكرمتنا بتجليٍ...

رمضان جاء برحمةِ

يشعرُ المرء في شهر رمضان المبارك بشعورٍ خاصٍ يجعله قريباً من الملكوت الأعلى، يُصبح أكثر شفافيةً ورقَّة، أكثر رحمةً ورفقاً، أكثر إحساساً وصدقاً، فإذا أردت أن تستوقف أحدهم منتصف اليوم وتأخذ معه في مشادّةٍ كلاميةٍ من نوعٍ ما؛ يُشيح بوجهه عنك رغبةً منه بعدم الاستمرار، وربما وصف قلبه بالنظافة، والشعور بنظافة القلب ناجمٌ عن تيارات التجلي الإلهي المنزّلة على قلوب العباد في هذا الشهر المبارك.

إن هذا التجلي الناجم عن تلك النفحات والتنزُّلات لا ينقطعُ في شهر رمضان المبارك إذ فيه نزلت أعظم التجليات وأدوم المعجزات وأعمها على الإطلاق وهي: القرآن الكريم، فنقرأ فيه قوله تعالى: { شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هُدىً للناس وبيّنات من الهدى والفرقان} [سورة البقرة: 185].

وإذا نزل تجلٍّ في مكانٍ أو زمانٍ فإنه لا يُرفع عنه أبداً سواء كان تجلي رحمة ومغفرة أو تجلي قدرة وبطشاً، وهذا الكلام ليس ادّعاءً وإنما تؤيّده الوقائع فمثلاً: في تجليات الرحمة نشهد ذلك التجلي الذي غَمَرَ أبوينا آدم وحواء عند التقائهما في عرفات بعد هبوطهما من الجنة، حين توجَّها بالدعاء إلى الله تعالى تائبين طالبين المغفرة فقبل الله سبحانه توبتهما. بقي ذلك التجلي موجوداً في نفس المكان والزمان، وهو تجلي الرحمة والغفران، ولا تزال ذرّيتهما تجتمع في مكان وزمان التجلي (عرفات) في موسم الحج ليستغفروا الله تعالى وليتوبوا إليه، وليتعرضوا لتلك النفحات من الرحمة والمغفرة المتنـزِّلة من رب العالمين.

وفي تجليات القدرة والبطش الذي يدلل عليه قوله تعالى:{ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكَّاً} [سورة الأعراف: 143]، يصلنا خبر التجلي الذي أنزله الله تعالى على ثمود وهم قوم صالح في بلدهم وذلك فيما رواه الإمام البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما مرَّ هناك ذاهباً إلى تبوك غطّى رأسه، وأسرع دابته، وقال لأصحابه: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخـلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم) وهذا إخبار من رسول الله باستمرارية ذلك التجلي، وإلا لما كان هناك من داعٍ  لفعله وتعليمه لأصحابه كيفية الوقاية منه باستحضار الخشوع والبكاء، والإسراع في اجتياز ذلك المكان المشؤوم. 

ويؤيّد وجود التجليات عبر الزمان ما اتفق عليه الشيخان من حديثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (إن لربكم في أيام دهركم لنفحات ألا فتعرضوا لها)، فإذا كان لله في أيامنا نفحات وأُعطيات وتجليات تتكرر بتكرار الأيام والأعوام، وإذا كان الأمر النبوي للأمة بالتَّعرض لهذه النفحات قد صدر صراحةً فإنّا لا نستطيعُ إلا أن نحاول لنحظى بهذه النفحات الإلهية.  

وسبيل التعرض لتلك النفحات والحصول على بعض تلك التجليات هو التقرب من أصلها ومصدرها، أعني التقرُّب من الله تعالى، ذلك القرب الذي يشعر المرء معه بجوار الله تعالى، يشعر أن الله تعالى معه، يشعر أن الله تعالى يرى سائر أفعاله، ويسمعه إذ همس بصوتٍ خفيتٍ، أو تحدَّث في خاطره، إنه قريب، {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} [سورة البقرة: 186]، ويصبح الإنسان بذلك التقرب أهلاً لتلك التجليات الرمضانية ويبرز لديه ذلك الشعور الرائع الذي أشرتُ إليه بدايةً.

ومن التجليات الرمضانية الصبر الذي يُشكِّل عنواناً بارزاً لشهر رمضان المبارك كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة)، ويولّد هذا التجلي عند مستقبليه مشاعر الرحمة والشعور بالآخر، نَعم الشعور بالآخر، عندها يبذل الإنسان جهداً في سبيل الآخر رحمةً ومواساةً وإسعاداً، يصفح عن المقصر، يعفو عن المخطئ، يعين المظلوم، يعطي المحروم، يعالج المريض، يساعد المحتاج، يساند الفقير، ويكفل اليتيم ...    

هذا التجلي: الصبر يُنتجٍ تجلٍّ آخر تحبُّه النفس البشرية من حيث العنوان الرئيس ألا وهو النصر في أولى مظاهره وأقربها، ورغم أن شهر رمضان المبارك حافل بانتصارات الأمة الإسلامية ابتداءً من معركة بدر الكُبرى وانتهاءً بحرب تشرين التحريرية، غير أن تجلي النصر لا يعني حرباً وسلاحاً فحسب بل له تفسيراتٍ كثيرة أُخرى ربما تأباها بعض الأنفس منها: الانتصار على النفس، فعندما يكبح محبّ الانتقام نفسه فيعفو عمن ظلمه فهو ينتصر على نفسه، عندما ينتصر محب المال على نفسه فيتصدّق على الفقراء، عندما ينتصر محبّ الرّفعة على نفسه فيتواضع للآخرين، عندما ينتصرُ الحرامي على نفسه فيكفَّ يده عن السرقة، عندما ينتصر المرتشي على نفسه فيكف عن الرشوة، عندما ينتصر السيئ على نفسه فيتصرف تصرف الصالحين، عندما يتوقف الإنسان عن أنانيته فيشعر بضمير المجتمع الكُّلي فهو ينتصر.

والحديث عن التجليات الإلهية لا ينتهي لأنها مرتبطة بالقدرة اللامتناهية لله سبحانه، وبعطاء الله الكريم الذي لا يمكن أن تحدّه حدود.

اللهمَّ فأكرمنا في هذا الشهر المبارك بتجليات القُرب وبفيوضات الإحسان والعرفان يا من إذا سؤل لا يخيبُ سائله، واجعل كل بقعةٍ من بلادنا مهابطاً لتَنَـُّزلات رحمتك يا أرحم الراحمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة