رمضان ووظيفة اللسان

العدد: 
15323
أربعاء, 2018/05/23

إن الصيام بهديهِ يُسمينا..

وبه سنحظى من رضا بارينا

إن أنت صمت عن الطعام فصم كذا...

عن كل قولٍ فاحشٍ يؤذينا

لتنال ما ترجو وتفرح بعدهُ...

إن اللسان بحفظهِ يُرقينا

إذا كانت ماهية الصيام الفعلية هي الإمساك عن الطعام والشراب والشهوة فإن من أهم مقوّمات صحته والتي تجعله مُحَققاً لغايته هو إمساك اللسان عن كلِّ قولٍ مكروه وفاحش.

ولذلك فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجاً للسان في رمضان حيث خاطب الفئة التي تعتاد القبيح من الأقوال فقال: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يترك طعامه وشرابه) رواه الترمذي وقال: (كم من صائم ما له من صيامه إلا الجوع والعطش) رواه ابن ماجة وذلك توصيفاً منه صلى الله عليه وسلم لقبحِ ذلك العمل؛ لعلَّ صاحبه يتحفّز لترك القول القبيح وينتهز فرصة مضاعفة الأعمال الصالحة في شهر رمضان فيسلُك سبيلها.

وبالمقابل فقد خاطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفرد الذي يمكن أن يُعتدى عليه بالشتم فقال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم) رواه البخاري. فبيّن بهذه الكلمات ما ينبغي أن يفعله الإنسان المؤمن في يوم صومه فلا يبادل الشاتم بالشتم؛ وذلك لينال أجر صيامه كاملاً من غير نُقصان.

ثمّ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطب الجميع فقال فيما يخص رمضان: (واستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى لكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم: فشهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لاغنى لكم عنهما فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من النار) رواه ابن خزيمة في صحيح وهذه الخصال الأربعة هي من عمل اللسان.

وهكذا يتبلور أمامنا منهج اللسان في رمضان من خلال ترك الكلام الفاحش وعدم الالتفات لمن يتلفظه وشُغل اللسان بالمفيد من الكلام.

وهذا الأمر هو الذي يُحدث الفرق بين لفظي الصيام والصوم؛ حيث أن الله تبارك وتعالى عندما ذكر في القرآن الكريم الصيام ذكره بمعنى الامتناع عن الطعام والشراب والشهوات المفطِّرة فقال سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [سورة البقرة:185] ولم يقل كتب عليكم الصوم. وبالمقابل فقد ذكر لفظ الصوم بما يخص اللسان في النطق بالحق والصالح من القول؛ فقال سبحانه مخاطباً مريم العذراء { فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا }[مريم:26] فالصوم هنا جاء مع الأكل والشرب فقد نذرت مريم عليها السلام الصوم رغم أنها تأكل وتشرب. فالصوم قد يأتي مع الصيام وقد يأتي مع الإفطار؛ ومن هنا كان الصيام - بمعنى الإمساك عن المُفطرات-  لا يؤدي دوره المطلوب إلا إذ اقترن بالصوم الذي يعني استعمال اللسان بقول الحق والابتعاد به عن قول الباطل.

ومن ناحيةٍ أخرى في الآية الكريمة {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [سورة البقرة:185] نجدُ أن الصيام عمل تُبتغى من خلاله التقوى؛ وفي قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ..} [الأحزاب: 70، 71] وفي هذه الآية نجد أن التقوى مع القول السديد تُثمرُ إصلاحاً للأعمال ومغفرةً للذنوب. وبربطٍ بين الآيتين ينتج لدينا القضية التالية: الصيام لتحصيل التقوى؛ والتقوى مع القول السديد يُحصِّلان العمل الصالح المقبول والمغفرة، وبالتالي فالصيام عندما يقترن بالقول السديد يصبحُ عملاً صالحاً مقبولاً يوصل صاحبه إلى مصاف المتَّقين الذين هم أكرم الخلق عند الله {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات:13]؛ وبمعنى آخر: الصيام عندما يقترن بالصوم يصبح العمل صالحاً وصاحبه من أكرم الخلق عند الله تعالى. 

ومن هنا نستطيع أن نفتح آفاقاً جديدة في فهم الحديث القدسي الذي يقول فيه ربُّنا سبحانه: ( الصوم لي وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وأكله وشربه من أجلي  ) رواه البخاري. فقد ذكر سبحانه أن الصوم بمعنى الامتناع عن قول الباطل والتزام قول الحق المقترن مع الصيام الذي عبَّر عنه بقوله ( يدع شهوته وأكله وشربه ) هذا العمل من أعظم الأعمال وأجلّها عند الله تعالى.

ونشهد تأييداً لمجمل ما سبق في قوله تعالى: { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون *والذين هم عن اللغو معرضون *والذين هم للزكاة فاعلون }[المؤمنين:1، 3] فقد ذكر الله تعالى في الآية الثانية ركن الإسلام الصلاة ثم أعقبه في الآية الثالثة بالامتناع عن اللغو ثم ذكر في الآية الرابعة ركن الإسلام الزكاة؛ وهذا مُشعرٌ بأن المقصود من الامتناع عن اللغو هو ركن الصوم؛ فيكون المعنى أن المؤمنين الذين حازوا الفلاح هم الذين صلوا صلاة مقترنةً بخشوع، وأدوا صيامهم مقترناً بالصوم وهو التزام قول الحق، ودفعوا زكاتهم مقترنةً بفعلهم أي بإرادتهم.

فيا ربنا أكرمنا في شهر رمضان المبارك بعمل مُتَقَبّل وبفرجٍ مُتَعجّل، وانفح البلاد والعباد بنفحات النصر الرمضاني والعطاء الرباني يا ذا الجلال والإكرام.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة