عز الطلب في مقامات حلب

العدد: 
15323
أربعاء, 2018/05/23

لم أنشد الشعر في مر السنين ولم أقرأ سوى نتف لبعض أشعار الثائرين، ولست ابن تاجر ولا أسكن في حي فاخر، وبيتي ليس سوى حجارة شهباء وخشب وطين كائن عند القلعة قريب من باب جنين، في أقدم أرض وطأتها الأنام، قريبة للترك تابعة للشام، أحجارها بيضاء ممزوجة بالمسك والبخور، وأنا لكوني ولدت هنا فخور – فخور – فخور – فخور.

هنا الفل في جيرة الريحان والكرمة تسلقت أسطح الجيران، هنا قاصرات الطرف أجمل الخلق من إنس وجان، لا يخرجن من فنن ولا يعتبن مداخل البهتان، أنضر من في المشرقين وأطهر من في المغربين.

في جيرة الترك والجركس والتركمان، وبين الكرد والأرمن وقرابة العجم والأفغان، وبين محبة الجيران ونواقيس تدق وكنائس ترفع الصلبان، وموكب يعبق منه الطهر يرفع من كرامة الإنسان وأظنه للأرمن أو قد يكون لإخواننا السريان.

وهنا في نفس المكان ترتفع تكبيرة الأذان، وليس بعيداً من هنا فبالقرب مني منشأ الأديان، وأقرب من هذا دمشق ياقوتة الأكوان ودرة من درر الزمان، تقاوم حبائل الشيطان ودوائر الإنس والجان، امتشقت سيفها الأموي لتحمله مواكب الفرسان، به من عدل عمر وزند حيدر وغضب معتصم، إن خدشت فتاة أو صرخت النسوان.

حملوه وطاروا كالبرق ليقطعوا رأس البهتان، ولمجدهم ذكر في روابي الأندلس وعند مدائن الإسبان، وعنوان سيفنا دمشق موقع القلب من الأكوان، هنا الفل في جيرة الريحان والكرمة تسلقت أسوار الجيران.

ارتضى عبيرها ضوع الأزاهير في الخدور، ووسط أنغام السماح ولون الصفاء وطيب العطور، وحجارة تحكي الحكايا تروي أخبار العصور، ربيت عند شعابها نشوان يغمرني السرور، فكان في ربعنا طفل نقي طيب كالملاك عزيز يأنف كالصقور، وأنا لكوني ولدت هنا فخور – فخور – فخور – فخور.

هنا الفل في جيرة الريحان وبنات حارتنا قد حبين بأعين الغزلان، إن نظرت بطرفهن وجدت معنى الإيمان وعرفت أن في العين سحراً ونبض زلزال وخفقان، وأن جمالهن مرآة أفعال وطهر كيان، وإن النفوس إذا طهرت تبقي الوجوه مزدانة بجمان.

هنا الفل في جيرة الريحان وبنات حارتنا قد حبين بأعين الغزلان، هنا النارنج والرمان قد زينا المكان، هنا الأهل والأصحاب والقهوة في جلسات العصر، فأنظر في نضر الوجوه وأسرح في كحل العيون وأقول: كيف لمثل هذا النقاء إن مسه الريح يوماً أن يقضي أسىً ويتغير؟! كيف وتلك النواعم من نعيم كان يأتيها الجنى من كل أرض وتلبس أساور الياقوت وتتطيب بمسك وعنبر؟!

سأرسم الفرح في العيون، ولحن النصر أضيفه لهمسهم حين يتحدثون، سيكون أبلغ وأجمل من كل الفنون، وحين تأخذني الحواري ستكون ابتسامتي أكبر، وسأضحك من كل قلبي وسأسمع ما لا يسمعون.

ولكن دارت الدوائر وتحكم الإفرنج بالمصائر، وتعرضت للقهر والجور، فسافر من سافر، وجزعت ممن غادر، وحزنت ممن هاجر، هرب الجمال وبقي الحجر وذهب الأمان وبقي الخبر، ولكن لا ..  سنزرع الشجر وننشر الأمان وسيرجع البشر.

عند السهول وعند الهضاب

               سيولد طفل الغد المنتظر

سيملأ جسمه طيب الطعوم

               ويغدو صحيحاً كلون الزهر

سيلهو ويمرح عند التلال

              ووسط النعيم له منتشر

سنجعل كل مغاني البلاد

              بأمر الصغير إذا ما أمر

ونزرع فيه خصال الكرام

         وحب الديار وعشق الشجر

وننفض عنه سواد الغمام

      وجور اللئام وشرع القهر

ونولي الكرام لنيل المرام

        بصفو النفوس وترك الكبر

ففينا الخير برغم الضلال

            ورغم الغلو وحقد البشر

وإني سأبقى وحيداً حزيناً

       لطفل الشآم الذي قد هجر

سنزرع كل معاني الوئام

         لنبقي الأمان وينأى الحذر

ويرجع طفل الشآم الذي

            طال انتظاره هطل المطر

سيمشي الصبي بوسط الشآم

          ويشرق نوراً بقلب البشر

ولأن آبائي وأجدادي في ثراها فإني أعشقها لهذا، وفي بعض هذا تعشق الأوطان.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي