الإدارة الأمريكية تقوض السلم العالمي

العدد: 
15330
أربعاء, 2018/05/30

أدى اندلاع الحرب العالمية الأولى والويلات التي خلفتها وراءها على الشعوب إلى شعور الدول بحاجتها إلى التضامن فيما بينها لمجابهة الأخطار المشتركة، والنظر إلى السلم الذي يمنع اندلاع الحروب بينها أي ضرورة اجتثاث الأسباب الموجبة لحدوث النزاعات الدولية، هذا الحراك لجهة نصرة مسألة السلم العالمي أوجد من خلال معاهدات فرساي للسلام منظمة " عصبة الأمم " لتكون الحارس الأمين للنظام الدولي، غير أن صانعي العصبة لم يحسنوا تقدير الأمور وظلت هذه المنظمة مصبوغة بالصيغة الأوروبية.

ولكن نشوب الحرب العالمية الثانية أعلن بشكل أو بآخر موت منظمة عصبة الأمم وفشلت في تنفيذ المهام التي وجدت من أجلها وخاصةً في إقامة نظام دولي يحقق السلام في العالم، ومع سنوات الحرب العالمية الثانية تسارعت الجهود الدولية لإيجاد نواة تعمل على ضبط وتنظيم العلاقات الدولية بما يحقق المصالح الهامة للدول وأثمرت تلك الجهود في 24 تشرين الأول من عام 1945 بولادة هيئة الأمم المتحدة التي تعتبر المنظمة الدولية الوحيدة ذات التوجه العالمي والاختصاص السياسي العام، ونصت المادة الأولى على أهداف الميثاق والتي يتصورها هدف حفظ الأمن والسلم الدوليين بالإضافة إلى تنمية العلاقات الودية بين الدول، وتحقيق التعاون الدولي، وتنسيق أعمال الدول الأعضاء، كما أن من أهم مبادئ هذا الميثاق مبدأ حل النزاعات بين الدول بالطرق السلمية، وعدم اللجوء إلى القوة أو التهديد بها، فأين الولايات المتحدة الأمريكية من هذه الأهداف والمبادئ التي وافقت وصادقت عليها وهي من الأعضاء الكبار في هذه المنظمة ؟! والسؤال هنا هل أمريكا تريد وتهدف من خلال سلوكها وغطرستها ومحاولات هيمنتها على الإرادة العالمية إلى إفشال دور هذه المنظمة كما كان مصير منظمة عصبة الأمم سابقاً من ترهل وفشل، وهي برعوناتها تُشعل التوترات وتنشر الفوضى في عدة محاور من العالم وكثيراً ما أثبتت أحداث التاريخ أن خلافات ونزاعات محدودة أدت إلى حروب مكتملة الأركان.

يُعد مجلس الأمن الدولي جهاز الأمم المتحدة المختص في مجال حفظ الأمن والسلم الدوليين وحماية المصالح الدولية المشتركة، ويتكون هذا المجلس من خمسة عشر عضواً منها خمسة أعضاء دول كبرى دائمة العضوية حددها ميثاق الأمم المتحدة على سبيل الحصر وهي : " الولايات المتحدة الأمريكية، روسيا الاتحادية، والصين، وبريطانيا، وفرنسا "، وعشرة أعضاء غير دائمي العضوية تنتخبهم الجمعية العامة للأمم المتحدة من الأعضاء في المنظمة ولمدة سنتين، وبذلك يكون هذا المجلس الذي يُمثل جهاز من أجهزة الأمم المتحدة جاء نتيجة الإرادة المشتركة للنظام الدولي العام بهدف المحافظة على السلم والأمن الدوليين عن طريق التسوية السلمية للنزاعات الدولية، ولم يتأسس للتعبير عن السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية أو وسيلة ضغط بيد أمريكا تلوح بها ضد الدول الأعضاء الأخرى بقصد تسويق وتنفيذ مطامعها ومخططاتها ومشاريعها في أماكن مختلفة من العالم.

إن الدور الذي تضطلع به السياسة الأمريكية في المحافل الدولية ومن وراءها الحلفاء الغربيين حوّل مجلس الأمن من جهاز أساسي من أجهزة الأمم المتحدة إلى قاعة إتهام الدول ذات السيادة التي لا تسير في الركب الأمريكي، أو مكان لتوزيع شهادات حسن السمعة والسلوك على الدول وفق تماشي سياساتها الخارجية من المنظور الأمريكي، لذلك نجد أن أغلب قراراته مكملة ومتناغمة مع أجندة القوى الكبرى ومخططاتها، ويُلاحظ من الأداء الأمريكي أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تتعامل يوماً على أساس أن مجلس الأمن هو جهاز ضمن منظمة دولية قائمة بذاتها وتعمل على تحقيق أهداف مشتركة في مختلف مجالات العلاقات الدولية التي تتطلب تعاوناً دائماً بين الدول، بل تتعامل معه وكأنه جهاز من أجهزة وزارة الخارجية الأمريكية، حيث أن سمعة أمريكا تُظهر بأنها لا تتوانى عن الانسحاب أو وقف التمويل عن أي منظمة دولية لا تستجيب لإرادتها وتنسجم مع مواقفها ومصالحها كما فعلت مؤخراً مع منظمة اليونسكو.

إن مستقبلاً غير مبشر ينتظر العديد من المنظمات الدولية بما فيها الأمم المتحدة إذا بقيت الأمور تسير على هذا المنوال، وجعل الأداء الأمريكي هذه المنابر العالمية على المحك لناحية مصداقيتها ومدى موثوقيتها، ومن السهل على الولايات المتحدة الأمريكية أن توتر الأجواء في ساحات ودول مختلفة في سبيل تحقيق مطالبها على حساب مصالح وحقوق مشروعة لدول وشعوب من هذا العالم ولكن العبث في التوازنات الدولية والتهويل بالقوة والعدوان ليس مضموناً بصورة دائمة، لأن القاعدة السائدة تقول : " إن لملمت آثار أي عدوان أصعب بكثير من شن العدوان بحد ذاته، ولا أحد يستطيع أن يتكهن بالمدى الذي يمكن أن تصل له نيران الاعتداءات والفوضى التي تزرعها أمريكا والأوضاع في سورية نموذجاً .

وفي هذا السياق ينبغي على ساسة أمريكا أن يدركوا أن مصالح الشعوب تكتسب طابعاً عالمياً في العالم المعاصر، فمسألة السلام في العالم لا تقبل التجزئة، إذ أن أي حرب محلية إذا لم تضع لها الدول حداً لا تلبث أن تتحول إلى حرب عالمية، وخير سبيل لحفظ وحماية الأمن والسلم الدوليين يكون بالتقيد بأحكام القانون الدولي الذي يقيم منظمة دولية تعهد إليها مهمة السهر على دفع الدول التقيد بأحكام ميثاقها، فمثل منظمة هيئة الأمم يفترض التزام الدول وخاصةً الولايات المتحدة الأمريكية في أحكامها وقراراتها وبالتالي توفير الشروط الموضوعية والاجرائية لصيانة وحفظ الأمن والسلم في العالم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أيهم ناعسة