متى يستيقظ الشرق ؟

العدد: 
15332
جمعة, 2018/06/01

أستفتح مقالي هذا بقول الشاعر قطري بن الفجاءة:

وما للمرء في حياة إذا

               ما عدّ من سقط المتاع

حديثي هذا ذو شؤون وشجون، وكوني أكتب وألتزم الحياد ولست منحازاً لأي من الاثنيات والطوائف والمذاهب فأنا أبتغي إيقاظ الشرق واستنهاضه واسترداد سيادته وكرامته ولذلك أقول:

إن العدو الأكبر للشرق هو التعصب المذهبي والطائفي والخرافات العمياء والعادات والتقاليد العفنة والشقاء الكبير الذي يمسك بتلابيب الشعوب الشرقية ..

لا يقاس غنى المجتمع بما يملك ويكنز من كنوز بل بما يملك من فكر نير وعقل حصيف طليق.

إن الهرم والزهايمر قد دب في جسد الثقافة الأوروبية والمجتمع الأوروبي قد انقلب إلى كائن مادي صرف فقد ضل زمرد الإبداع والحضارة الإنسانية .. والتغول الغربي الأوروبي المؤمن بالهيمنة والاستكبار في الأرض بأسماء فضفاضة لامعة.. العولمة تارة والديمقراطية تارة أخرى.. الأسئلة الحارقة تطرح نفسها بحسرات وزفرات أليمة .. السعادة البشرية مفقودة ما دام الظلم الغربي والأوروبي يطال المجتمعات البشرية.. الكتاب الحقيقيون يبتغون تغيير العالم نحو الأفضل.. فالكتاب ليسوا حراس القيم والتجدد والتألق فحسب .. فأهمية الثقافة تتجلى في امتدادها العالمي لأنها ثروة إنسانية مشتركة بين الشعوب عامة.

الغرب الأوروبي مارس سياسة التخلف والجهل والعبودية .. واستعمر الشعوب وكبلها بأغلال الكبت والإرهاب والحرب والدمار.

الكاتب الحقيقي صاحب موقف.. هذا هو جان بول ساتر يطلب من فرنسا الاعتذار من الشعب الجزائري.. وطالب باستقلال الجزائر والاعتراف بثورة شعبها.

الغرب الأوروبي بقوة التقنية الهائلة يغزو الفضاء الخارجي بمركبة فضائية إلى المريخ لفحص تشكيلات الصخور هناك بينما في الوقت نفسه تموت الشعوب جوعاً في الكوكب الأرضي.

هناك ثلاثة عناصر لبناء النهضة الشرقية وإعمارها.. الإنسان أولاً والخيرات ثانياً.. والزمن ثالثاً.. إن أية حضارة تبدأ بالإنسان العاقل المفكر الحكيم المجرب.

بصاحب الفكر النير والعقل الفاعل الحاكم العادل يبدأ النهوض الحضاري الذي يملأ الكون بهجة وحبوراً.. أما المادة فمهما كان مقدارها وقيمتها فإنها تبقى مجرد كم متراكم متكدس لا يمكن أن يثمر الحضارة إلا بالاستعمال العملي الصحيح من قبل الإنسان العلمي النخبوي المتميز.. ففي القرن التاسع عشر كانت الدول تقاس بما تملك من مصانع وأساطيل وأسلحة وذهب وفضة .. غير أن القرن العشرين شهد تحولاً نوعياً في مضمار القوة ولم يعد المعيار يساوي شيئاً ما لم يقترن برصيد الفكر الخلاق المبدع.

أما الوقت أو الزمن فهو العنصر الأساس والركن الثابت في يقظة الشرق ونهوضه.. فالزمن نهر يتدفق من نبع الأزل مروراً بالشعاب والممالك ليستغله الإنسان للحفاظ على بقائه وارتقائه نحو الخصب والخير والعطاء.

الزمن غني بالحيوية والإنجاب إذا استطعنا التعامل معه بذكاء ونشاط واستثمرناه لصالحنا .. فهو يتدفق على أراضي الأمم والشعوب.. إنه ثروة ضخمة إذا تعاملنا معه بإرادة وخبرة ذكية وإن أهملناه تحول صفراً أو عدماً.. الفكر العملاق يوجه المجتمعات بثلاث نواحي بالتوجه الثقافي أولاً لأن الثقافة ملك للإنسانية جمعاء.. وتوجيه العمل ثانياً.. العمل الذي يشيد ويعمر ويبني وتوجيه المال بقوانين الاقتصاد نحو الخصب والرخاء والنعيم، ففكرة التوجيه تشمل قوة في الأساس وانسجاماً في السيرورة التاريخية والنشأة الحضارية.. ووحدة في الغاية والهدف.. وتقنين الإسراف والتبذير والكدح والاستفادة من الزمن الذي لا يتوقف لحظة، فالثقافة تحتل مركزاً أساسياً في البناء الحضاري ومواجهة التخلف والانحطاط.. والعناصر الأساسية للثقافة هي: الدستور الأخلاقي والذوق الجمالي، والمنطق العملي وعلوم التقانة.

فالجماليات تكتسي أهمية اجتماعية.. والأخلاق تعتبر رديفاً لعمليات تكوين الروابط بين الأفراد في المجتمعات طراً.. ولا ينفصل البتة الدستور الأخلاقي عن الذوق الجمالي.

والإطار الحضاري بكل عناصره ومحتوياته متداخل ومتكامل بذوق الجمال.. بل إن الجمال هو الإطار هو الذي تتكون فيه أية حضارة وعلينا أن نبصر ما في نفوسنا.. وأن تنعكس مرآة الجمال داخل بيوتنا وفي شوارعنا ومدارسنا وجامعاتنا ومؤسساتنا.

علبنا أن نخاطب الأمم والمجتمعات الشرقية بعقل صريح وأن نجمع بين دراسة الماديات والتعمق في دراسة الروح الإنسانية وأن نمزج بين العقل والقلب.. إن الطبيعة تبدع النوع.. والتاريخ يصنع المجتمع.. وهدف الطبيعة هو مجرد المحافظة على البقاء والسيرورة، وفي الوقت نفسه غاية التاريخ وهدفه السير بركب التقدم نحو شكل من أشكال الحياة السعيدة الراقية .. وترتبط فكرة المجتمع بوضع متحرك ذي وسائل وعناصر ثلاثة حركة مستمرة وإنتاج دائم لأسبابها وغايتها المثلى.. صناعة التاريخ تتم تبعاً لثلاثة عوالم .. تأثير عالم الأشخاص وعلم الفكر وعلم المادة.. كل هذه العوالم تجتمع وتتوافق في عالم مشترك تأتي صورته طبقاً لنماذج أيديولوجية من عالم الفكر يتم تنفيذها بعالم الأشياء أو الماديات.. من خلال غاية يبتغيها الأشخاص.

ويتعثر المجتمع بعوائق ثلاثة: عدم تشخيص غاية النهضة.. عدم تحديد المشكلات الاجتماعية تحديداً خبيراً بصيراً.. وعدم تحديد الوسائل..

إن سبب انحطاط المجتمع أو الدول لا يعود إلى الأعداء .. بل إلى الأرضية الخصبة من الشتات والتفرق والتشرذم، إلى القابلية التي تصرخ وتستغيث وتنادي الأعداء لاحتلالها .. إن المكر والخداع والشراسة من نصيب المستعمرين.. وإن السفالة والخيانة والدناءة من نصيب القابلية للسيطرة الاستعمارية.

فالحضارة المستديمة تستمد شروقها من رجال الفكر ومن كنوز التربة الغنية.. ومن الزمن السرمدي الذي يسير قادة الفكر .. والأرض غنية بعناصرها وموادها نحو المشروع النهضوي ليقظة الشرق من سباته الطويل.

وختاماً: مبارزتنا الكتابية من دون فائدة ما لم تتحول إلى ممارسة عملية في واقعنا المنكوب.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
جعدان جعدان