رمضان العطاء وأُسر الشهداء

العدد: 
15333
سبت, 2018/06/02

رمضانُ يا ضيفاً حبيباً جائنا ....

 أهلاً ومهلاً إن سيرَكَ راعَنا

تأتي وتمضي دون أيّ تمهلٍ ....

واللهَ نسألُ أن ننالَ بكَ الهنا

قُمنا بحقِّكَ أم بدا تقصيرَنا؟ ....

 يا ربِّ بالمُختارِ فاقبلْ توبَنا

ها هو رمضان قد مضى شطره وانتصف في زمانٍ مرَّ علينا؛ شعر معظم الناس بسرعة مروره؛ إلا فئتين:

• الفئة الأولى: أهل الغفلات ممن اعتاد على عدم الالتزام أصلاً.

• والفئة الثانية: أهل الحاجة والعَوز ممن لا مُعيل لهم.

إن الفئة التي ينبغي تسليط الضوء عليها هي الفئة الثانية من الفقراء الذين فقدوا معيلهم في وطننا لا سيما أُسر الشهداء والمفقودين، وأسر الجرحى ممن سببت لهم الحرب إعاقةً امتنع معها إمكانية العمل. 

هؤلاء الذين ينبغي أن يقتحم المجتمعُ عليهم فاقتهم وحاجتهم فيُبدِلُهم بفقرهم غنىً وبحزنهم فرحاً، وبيأسهم أملاً، وبمحنتهم منحةً.

فينبغي علينا أن ننتهز فرصة رمضان الذي يضاعفُ الله تعالى به الأجر لإكرام هؤلاء الكرام أبناء الكرام، وفي سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما يُحفّزنا على فعل ذلك فقد مثَّل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى والقدوة الحسنة في الجُود والكَرَم، فكان أجود النَّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فكان أجود بالخير مِن الرِّيح المرسلة.

وقد بلغ صلوات الله وسلامه عليه مرتبة الكمال الإنساني في حبِّه للبذل والعطاء، إذ كان يعطي عطاء مَن لا يحسب حسابًا للفقر ولا يخشاه، ثقة بعظيم فضل الله، وإيمانًا بأنَّه هو الرزَّاق ذو الفضل العظيم.

فقد ورد أنه (ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلَّا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا، فإنَّ محمَّدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة) .رواه مسلم.

وكذلك ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو كان لي مثل أحدٍ ذهبًا ما يسرُّني أن لا يمرَّ عليَّ ثلاثٌ، وعندي منه شيءٌ إلَّا شيءٌ أرصدُهُ لدينٍ) .رواه البخاري.

وكان صلى الله عليه وسلم يُؤْثِـر على نفسه، فيعطي العطاء ويمضي عليه الشَّهر والشَّهران لا يُوقَد في بيته نارٌ.

وكان كرمه صلى الله عليه وسلم كرمًا في محلِّه، ينفق المال لله وبالله، إمَّا لفقير، أو محتاج، أو في سبيل الله، أو تأليفًا على الإسلام، أو تشريعًا للأمَّة، وغير ذلك. 

ولقد علّم رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم أصحابَه الجود والانفاق من ذلك ما ورد عن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: "سمعت عمر بن الخطَّاب، يقول: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدَّق، فوافق ذلك عندي مالًا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكرٍ إن سبقته يومًا، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عنده، فقال: « «يا أبا بكرٍ ما أبقيت لأهلك» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيءٍ أبدًا". رواه الترمذي.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان أبو طَلْحَة أكثر أنصاريٍّ بالمدينة مالًا، وكان أحبَّ أمواله إليه بيرحى - بُستان جميل مثمر اسمه بيرحى-، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب مِن ماءٍ فيها طيِّبٍ، قال أنسٌ: فلمَّا نزلت هذه الآية: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] قام أبو طَلْحَة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنَّ الله يقول في كتابه: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بيرحى، وإنَّها صدقةٌ لله، أرجو برَّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( بخٍ  ، ذلك مالٌ رابحٌ، ذلك مالٌ رابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى أن تجعلها في الأقربين)، فقسمها أبو طَلْحَة في أقاربه وبني عمِّه. رواه البخاري.

ومَرِض قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنه، فاستبطأ إخوانه، فقيل له: إنَّهم يستحيون ممَّا لك عليهم مِن الدَّيْن، فقال: أخزى الله مالًا يمنع الإخوان مِن الزِّيارة، ثمَّ أمر مناديًا فنادى: مَن كان عليه لقيس بن سعد حقٌّ فهو منه بريء، قال فانكسرت درجته بالعشي لكثرة مَن زاره وعاده. رواه الغزالي في الإحياء.

 وذكر المدائني: أنَّ أوَّل مَن فطَّر جيرانه على طعامه في الإسلام عبيد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، وهو أوَّل مَن وضع موائده على الطَّريق، وكان إذا خرج مِن بيته طعامٌ لا يعاود منه شيءٌ.

 فأين نحن من ذلك التراث الإنساني العظيم الذي خطَّ لنا سبيل الرقي والحضارة وسبيل تخليص النفوس من آلامها وأحزانها.

لننتهز فرصة رمضان الذي يمرُّ سريعاً ولنُكرم أولئك الكرام الذين فقدوا المُعيل، ولا نكتفي من البعض بأن يحمل تمراً ولبناً إلى المساجد أو إلى قارعة الطريق ليقوم بتفطير الناس فور قول المؤذن للمغرب "الله أكبر" بل علينا أن نبحث عن أولئك الذين {لا يسألون الناس إلحافاً} الذين {يحسبهم الجاهلُ أغنياءَ من التَّعفف}، لنتمثّل سيرة ذلك السلف الصالح فقد كان سيدنا علي زين العابدين بن سيدنا الحسين بن أمير المؤمنين سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، يعيش في المدينة المنوّرة، وكان ناسٌ مِن أهل المدينة يعيشون لا يدرون مِن أين كان معاشهم، فلمَّا مات فقدوا ذلك الذي كانوا يُؤْتَون باللَّيل.

اللهمَّ بارك لنا في رمضان وأكرمنا بكامل العطاءِ والغفران يا أكرم الأكرمين يا رحمن.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة