خمرة جديدة في قوارير قديمة

العدد: 
15336
ثلاثاء, 2018/06/05

عرّف الفلاسفة وعلماء الاجتماع السياسة تعاريف شتى وآخرها إنها فن الممكن وأقول عنها: إنها صراع العقول.

يقول دنكان بل: لا أحد يحب أي واقعي في السياسة، ثمة ما يدعو إلى الاعتقاد بأن سوفوكليس تعمّد جعل قصة أوديب محاكاة لأثينا بريكليس، ومع أوديب براعة أثينا الفائقة من الناحية الفكرية صارت تهوراً، وتصميمها غدا طيشاً، وشعورها بالسيادة أصبح تعصباً وتطرفاً ... كان سقوط أوديب ينذر بسقوط أثينا وللأسباب ذاتها أمريكا عليها أن تحسن صنعاً إذا ما عكفت على معاينة المدى الذي لا يمكن للسياسات الخارجية الأحادية الفوضوية التي دأبت على اتباعها منذ انتهاء الحرب الباردة أن توصلها هبوطاً على طريق أوديب وأثنيا الانحدارية فسياستها الخارجية الأحادية المصحوبة غالباً بخطابات عدوانية أدت إلى إحداث فجوة وهوة سحيقة بينها وبين أسرة الأمم الديمقراطية التي سبق لها أن مكنتها من ترجمة قوتها التكنولوجية إلى نفوذ بطرق مقتدرة قوية ... وما إن تصبح واشنطن خارج هذه الأسرة ومجردة من هويتها حتى تغدو متزايدة الاضطرار إلى استخدام التهديدات والمال من أجل بلوغ مآربها مثل أثينا وأوديب ... قد تصبح الأهداف التي تلتمسها قصيرة النظر فإن ذلك سيكون برهاناً تراجيدياً على حماقاتها المتغطرسة واستكبارها في العالم.

فالصداقة وقوة الاقناع برهانان للمسار الصحيح ويجلبان الألفة والانسجام والروح الجماعية، والجماعة بدورها تمكن وتعزز الهويات التي تسمح بالصوغ العقلاني للمصالح في الملاذ الأخير، فالعدالة والسلطة "القوة" يتبادلان التأسيس المتين. ما هو مطلوب للإمساك بزمام السياسة الدولية لا يتمثل العقلانية بالمهندس بل بحكمة رجل الدولة.

كان الإغريق يؤمنون بأن الناس لا يكتبون هويات بشرية إلا عبر عضوية الجماعة الإنسانية فممارسات الجماعات الإنسانية وطقوسها هي التي تضفي على الأفراد قيمهم وتؤدي على أعمق المستويات وظيفة معرفية جوهرية ويميزون أنفسهم عن الآخرين تثقيفاً وتهذيباً، ودون العضوية مع الأمم والجماعات الإنسانية لما كانوا قادرين على هذا لافتقارهم إلى مرجعية وموسوعية ... تلك كانت مشكلة أوديب، بسبب أصله المجهول لم يكن يعرف من يكون أو المكان الذي يتقدم نحوه ومحاولته الرامية إلى اجتراح هوية منفصلة مستقلة وتدعيمها عن طريق العدوان كانت محكومة بالإخفاق.

الأحداث في عام /2018/ م وميض جديد في القضية الكوكبية في أخطر مهماتها الراهنة، في الاستمولوجيا المعرفية والسياسية التي ترجمها بسمارك وهي تشكل الواقعية الأخلاقية برأي كثير من منظري السياسة.

أما اللاواقعية السياسية فلها أتباع في كواليس السلطة ... كسنجر الذي امتطى الجوادين أحدهما جواد أفلاطون وثانيهما جواد طائش ... السياسة الواقعية بالارتباط مع النظرية السياسية الجذرية والراديكالية والليبرالية تتمثل في قوى عظمى قائمة على الريبة أكثر بدائية في عمليات جيوناسيد (إبادة الجنس البشري في راوندا) والصراعات الاثنية في المشرق عامة وفي الصومال وتيمور الشرقية ويوغسلافيا سابقاً وغيرها ومع بزوغ الألفية الجديدة جاءت أحداث الحادي عشر من أيلول وما أعقبها من حروب في أفغانستان والعراق من أهوال العنف السياسي الناجمة عن رأسمالية ليبرالية جديدة أماطت اللثام عن الوجه المظلم للعولمة، وفي الوقت نفسه نجح العداء الواقعي المطرد للحرب ضد بلدان الشرق الأوسط ...

السياسة هي أعلى القمم في هيكل المجتمعات البشرية ولاسيما مبدأ انتصار القوة على الحق والسلطة على العدالة .. بقي توسيديس مصراً على ضرورة مزاوجة القوة مع الأخلاق وعدم تغريب إحداهما عن الأخرى. كتابات اسخيليوس وسوفوكليس وأفلاطون تنطوي على نوع من الاعتراف بالأسس الاجتماعية للسلطة كما على نوع من الوصف المتقن للشروط الضرورية من أجل تأمين العدالة وتوفر سبيلاً أكثر إقناعاً لفهم العلاقة بين الذات الفردية والجماعة.

كتب مورغنتاو عام /1948/ م: إن التقسيم الحالي للعالم السياسي إلى دول قومية سيجري استبداله بوحدات ذات طابع مختلف تماماً وتطوير الأسلحة الحديثة النووية سيؤدي إلى إضفاء التفكير الواقعي الكلاسيكي في اللاهوت السياسي .. وحشد كبير تصدوا للعواقب السياسية لهذه التكنولوجيا المدمرة والراديكالية الجديدة والعولمة التي ولدت من رحمها فأصبحت حتمية وضرورية.

في كتاب مورغنتاو (الإنسان العلمي في مواجهة سياسة القوة) يدحض النظريات الكوزموبولوتية أي النظريات الأممية أو نظريات السياسة الأممية لأنها لا تستطيع استيعاب التناقضات العالمية ويرد عليها قائلاً: يجب إضفاء الصفة التعددية على الهيمنة والاستبداد ... إنَّ دور المثقف السياسي متمثل برفع راية روح النقد التقويمي الدائم الصائب في الواقعية الليبرالية والموازنة السياسية اللوكية نسبة إلى الفيلسوف البريطاني لوك وفوق أسس وقواعد هوبزية نسبة إلى الفيلسوف البريطاني توماس هوبز وذلك في مواجهة أخطار الحياة السياسية غير القابلة للاستئصال التي تدرج على أوتار ليبرالية الخوف وعلى فضح غليان الأنانية والنفاق والحماقات المشلولة في السياسة الداخلية والخارجية. إنه سلوك ديماغوجي قائم على الريبة والشك واغتيال العقل حول مدى العقل المغدور والسعي الدؤوب الذي لا يعرف معنى الرحمة في سبيل امتلاك القوة والسلطة ..!!    

والسؤال المفتاحي هو إيجاد رؤى سياسية متماسكة ومقنعة في ظل الموارد الفكرية المتوافرة من أجل تحسين المحاولات الرامية إلى تأمين سعادة البشر.

في منظوري القريب والبعيد إن أمريكا على مفترق الطرق الديمقراطية، ديمقراطية التقنية المذهلة المروعة والتركة الموروثة العفنة والمحافظون الجدد والصقور الطاغية، كل ذلك ينذر بكارثة إنسانية ما قد تحلّ بصنّاع القرار أنفسهم.

ولد الإنسان شغوفاً بالسلطة غير أنّ وضعه الفعلي يجعله عبداً للسلطة وتحققت رؤية تشرشل حين قال: أمامنا خطران ... خطر الإسلام الحقيقي وخطر البلشفي العادل، يمكن تحويل الإسلام الحقيقي إلى إسلام "إرهابي" والبلشفي إلى دكتاتورية الحزب الأوحد وذلك بدعم وتنصيب المستبدين وخلق بؤر متوترة بين المذاهب والاثنيات ودعم كليهما معاً وخلق الفوضى العارمة ليبيد بعضهم بعضاً ...!!!

وأنهي مقالي بقول الأمير الشيخ حسن مكزون السنجاري:

موصوفة لا يراها بالأنام بها         وقد تفردت بين الخلائق بي

                وغبت عنها بها من شدة الطرب

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
جعدان جعدان