الصلح خير

العدد: 
15350
ثلاثاء, 2018/06/19

الصلح خيرٌ وفي إلهامِهِ رَشدا ...

وفيه يوجِدُ ذو الأحزانِ ما فَقدا

بالصلحِ نبني من الإنسانِ قادِمَهُ ..

ونضرِبُ الصفح عن ماضٍ بهِ حقدا

فما التذكُّر للأحقادِ يرفعُنا ..

بل فيهِ ثقلٌ سيجعلنا هبا وسُدى

وبالتصالُحِ صفْحات العلا فُتحت..

 لنرتقي نملِكُ الأفراحَ والرَّغَدا

إن من أعظم القُربات إلى الله تعالى الإصلاح بين المتخاصمين وبذل الجهد بين المتشاحنين لإعادة العلاقة الطبيعية بين الإنسان وأخيه الإنسان، وهذا من أخلاق الإسلام الأصيلة وواجباته النبيلة؛ ذلك أنه عنوان الإيمان وميزان الأخلاق الحِسان، وأساس الخيرية في المجتمع؛ لأنه مبعث الاستقرار والأمن، ويَنبوع الألفة والمحبة. وصدق ربي إذ يقول: ﴿ والصلح خير ﴾ [النساء: 128].

وأما التنازع والخصام فهو مفسد للمجتمع، مهلك للناس، سافك للدماء، مبدّد للثروات، قاطع لعُرى الوداد، مضيّع لقدرات العباد؛ قال تعالى : ﴿ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾ [الأنفال: 46].

إن الخصومة والنزاع من سعي الشيطان وكيدِه؛ إذ من أولى أولوياته أن يزرع الأحقاد والضغائن في النفوس، وأن ينشر الخلافات والنزاعات بين الناس، ففي صحيح مسلم عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ). رواه أبو يعلى.

إن المتخاصمون الذين يرفضون كل مبادرة للصلح من أهل الخير والصلاح، ويردّون كل الأطراف؛ حتى من أصحاب العلم والفضل وكبار السن قد سوّل لهم الشيطان وقلب لهمُ الأمور وجعل الفهم لديهم سقيم حيث أدخل في أذهانهم أنَّ الصلح هزيمة ومذلة، وهو للآخَر انتصار وعِزة، ونسِيَ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما زاد الله عبداً بعفو إلا عِزاً ) رواه مسلم. وقال سبحانه: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى:40]

وفي الصحيحين عَنْ أَبِى أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ) رواه البخاري.

أيها الأحبة إن الإسلام جاء بإصلاح ذات البين، وأوصَدَ الطرقَ المؤدية إلى فسادها، وأمر المسلمين بالإصلاح بين المتخاصمين، كما حث المتخاصمين على قبول أيِّ مبادرة للصلح وفض النزاع والشقاق، وإنهاء القطيعة، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [الحجرات: 10] وقال سبحانه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1].

وقال جلَّ من قائلٍ: ﴿ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ [النساء: 129].

فعلى كل واحد من المتهاجِرَيْن أن يضع حدّا لهجْرِ أخيه، ولْيبادرْ إلى مُصالحة أخيه، ولسانُ حاله يقول:

فيم التقاطع والإيمان يجمعنا... قمْ نغسل القلب مما فيه من وَضرِ

﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 1].

فطوبى لمن جعله الله تعالى سبباً لجمعِ شملٍ قد تشتت، ورأبِ صدعٍ قد تقادم، وهنيئاً لمن سعى في الخير والصلح بين الناس فأبدلَ بالشقاقَ وداداً وبالفراق لقاءً.

أخرج ابن ماجة في سننه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيِهِ). ابن ماجة.

ونحن في هذه الأيام المباركات أيام عيد الفطر السعيد التي أتت بعد مدرسة رمضان العظيمة في تهذيب النفوس وتزكيتها، ما أعظم أن ندعو إلى الصلح والصلة والوداد بين أفراد وطننا وجماعاته على سائر الأصعدة ومختلف المستويات.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا إخوةً متحابين فيه، ننبذ الخلاف والشقاق ونسير في طريق المحبة والوفاق، وليعد لأمتنا ذلك الألق المفقود.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة