أرض الأحلام

العدد: 
15355
أحد, 2018/06/24

أرادت لامار الرحيل إلى أرض الأحلام والابتعاد عن مدينتها الرمادية الكئيبة، فالناس في مدينتها – كما ظنت - يملكون وجوهاً من قصدير وقلوباً لا تعرف الإنسانية.

فكرت لامار: لربما كان البشر في أرض الأحلام مختلفين عن سكان مدينتنا أو مشابهين لهم، ولكنها بلا شك أرض رائعة تشرق عليها شمس سعيدة.

هنالك الأطفال يرقصون بفرح، ففي المدينة الرمادية الشمس لا تشرق ...الجليد لا يذوب، حتى الحزن لا يزهر.

ظنت لامار أن أطفال مدينتها يركضون بخوف كالأرانب لأن الكبار زرعوا الخوف في قلوبهم، فكرهوا الحياة قبل أن يعرفوها.

همست لامار لنفسها: أطفال مدينتي يكذبون، ولم يعرفوا يوماً معنى الطفولة... في أرض الأحلام كل شيء مختلف، كما أنني لم أحب مدينتنا يوماً فقد رفضتني ورفضت أحلامي.

حلمت لامار بأن تغني للحب والأحلام وتصادق العصافير الصغيرة إلا أن العصافير في مدينتها فقدت الثقة بالبشر الذين يتسلون بذبحها وأكلها نيئة.

عصافير المدينة الرمادية كئيبة تغني أغنيات حزينة بعد أن ماتت آخر العصافير اختناقاً بسبب العادات المتوارثة التي يعلوها الصدأ فقضت بخنق العصافير لأنها خرجت عن التقاليد وغنت بفرح.

في أرض الأحلام ألغيت مثل هذه العادات وطارت العصافير الملونة فرحة وصادقت البشر.

حزمت لامار أمتعتها وهمت بالرحيل ولم تنسَ الاستهزاء بالأبواب الصدئة الموصدة.

دفعت لامار باب المدينة الحديدي الصلد، وتحررت من أسرها القديم ...ركضت خارج المدينة وشعرت أنها استحالت عصفورة بيضاء صغيرة...ركضت بحرية وراقبت الشمس التي لم تتغير كثيراً عما كانت عليه في مدينتها حتى الغيوم ظلت كما هي، مرت لامار بقرى كثيرة وجدت فيها وجوهاً بعضها قصديري وبعضها حجري وبعضها رخامي... ولكنها شعرت بسعادة لأنها وجوه لا تعنيها.

كما مرت بحقول مقفرة وأمتعتها وحزنها يرافقونها.

وصلت لامار إلى أرض مليئة بالأشواك، بكت طويلاً، كادت الشمس تأفل وهي تركض وحيدة مناجية نفسها: صبية وحيدة مثلي كيف لها أن تركض في حقل الأشواك وتدمي قدميها فالشمس أرهقتني .. أين أنت يا أرض الأحلام؟ هل أضعتك؟

ظهرت لها الذئاب ...في المدينة الرمادية ذئاب أيضاً إلا أنها ضئيلة الحجم ولا تنهش من الظهر...الذئاب هنا ذات أنياب كبيرة وأكبر حجماً من ذئاب مدينتها.

فكرت مطولاً: هل هربت من مدينتي القصديرية لتنهشني ذئاب لا أعرفها؟

وجدت قدميها قد أدميتا وشلتا عن الحركة، وما إن حلّ الظلام حتى تخلصت من ذلك الحقل اللعين، ورأت شيئاً ما يلوح في الأفق ...أضواء مبهرة، أناس يرتدون ملابس ملونة حديثة، جلبة، موسيقا صاخبة، أبنية عالية تناطح السحاب.

 همست بفرح: لقد وصلت ...لا بد أنها أرض الأحلام.

فتحت بابها الوردي ودخلت، حاصرتها عيون لا تعرفها، فشعرت بالوحدة والغربة والضياع ...همست لامار: أين أنت يا عيون مدينتي الجامدة؟

أصوات بعيدة داهمتها: فتاة شابة ماذا تفعل وحيدة في مثل هذه الأرض؟

لا يا سادتي أنا لست صغيرة، أنا أنهيت مرحلتي الجامعية...أجابت بثقة.

تحولت النظرات إلى نظرات مخيفة طامعة وبعضها نظرات ساخرة... بدأت لامار تفتش عن حلمها في أرض الأحلام، بكت في صمت وأقنعت نفسها أن الأطفال هنا لا يخافون ...والبشر سعداء يعيشون بالطريقة التي يرغبون، فلا جمود في حياتهم.

داهمتها أصوات عدة: الأطفال هنا يدخنون والبشر يتعاطون المواد المخدرة وهم مثقلون بالأمراض، ومن الصعب أن تجدي فرصة عمل مناسبة فالحياة هنا صعبة وأنت تضيعين في متاهاتها.

هل ضعت في أرض الأحلام؟ هل تهت؟ تساءلت لامار بحرقة.

ظل الجواب يدمي روحها ويؤرقها.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش