إنسان بين وطنٍ وغربة

العدد: 
15365
أربعاء, 2018/07/04

يتجدد شعور المحبة للوطن في كل وقت يمضي ونحن نحيا في أحضانه.

وتلألأ بريق تلك المحبة في كثير من العيون بالأمس القريب عندما دعا وطننا العظيم سورية -على لسان مصدر مسؤول - دعا المواطنين السوريين الذين اضطرتهم الحرب والاعتداءات الإرهابية إلى مغادرة البلاد للعودة إلى وطنهم الأم بعد تحرير العدد الأكبر من المناطق التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين.

الوطن ينادي أبناءه الذين ابتعدوا عنه ليقيلوا إليه، وليقضوا حياتهم بين يديه.

إن الحقيقة التي لا تكاد تخفى على متأمل أنه كما أن الإنسان يسكن وطنه ويتفيأ ظلاله، ويتنشق نسيمه ويتغذى من خيراته؛ كذلك فإن الوطن يسكن عمق الإنسان ويمتلكُ أسمى مشاعره، ويُهيمن على أرقى أحاسيسه.

فلا يوجد مكاناً أجمل وأبهى من المكان الذي ولد الإنسان فيه، ودرج وترعرع فيه، وتلقى التربية والأخلاق فيه، فالمكان بحقيقته هو تلك الذكريات الدافئة المزروعة في كل ركن من أركانه. لذلك يُشكل جزء كبير من كيان الإنسان ويرتكزُ في أساس وجدانه

ومهما سارت الدنيا بالفرد بين جنباتها، وأشغلته بأحداثها، يبقى الوطن يلوح له بمخيلته ويظهر له في تقلبات فكره، وما ذاك إلا جزء يسير من الوفاء لوطنٍ هو في حقيقته أم كبرى حملته في حضنها، ورعته بكلّ ما لديها، حبا ومشى في مناكبها، وركض ولها في ملاعبها، وتعلم ونضج في مدارسها، ثم في نهاية المطاف سيعود ليجد لنفسه مكاناً في أعماقها، ليُدفن في أرض الوطن.

فكم من مغترب قال بلوعةٍ بيتَ الطائي:

كمْ منزلٍ في الأرضِ يَأْلفهُ الفتَى.. وحنينهُ    أبداً    لأوّلِ  منزلِ   

وكم من مهاجرٍ ردد قول من قال:

بلاديْ وإنْ جارَتْ عليَّ عزيزةٌ... 

وأهلِي وإنْ  ضنُّوا  عليَّ  كِرامُ

حتى الصحابة رضي الله عنهم، عندما هاجروا إلى المدينة - كما تذكر السيدة عائشة رضي الله عنها - تذكّروا مكة وجبالهَا، وقد كانت المدينة أوبأُ أرض الله من الحمّى، وقد أصابت الحمّى بعضَ الصحابة، تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: ثم إني دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته، فقال: "اللّهم حبِّبْ إلَينا المدينةَ كحبِّنا مكّةَ، اللّهم وصحّحها وبارك لنا في مُدّها وصاعِها، وانقلْ حُمَّاها واجعَلْها بالجحفَة" فغرس الله بعد ذلك حبَّ المدينة في قلب الصحابة ومَنْ بعدهم أبدَ الآبدين.

ويعلم الجميعُ أن الغربة قاسية وطريقها وعر ومليئةٌ بالمنغّصات، ومهما بقي الإنسان في بلاد الغربة فلن تكون له وطن وسيبقى يحمل من الاسماء ما يُذكره دائماً بوطنه : "الغريب" أو "الوافد" أو المهاجر" أو "النازح"

لذلك كانت العودة إلى الوطن عزاً وإن كان أطلالاً، فكيف يكون ذلك العز إن كان الوطن جنة الله في أرضه، سورية الخير والعطاء، والبركة والنماء.

هي دعوة لكل أبناء وطني عودوا فإن أمكم سورية قد اشتاقت إليكم.

فيا ربنا أعد علينا عوائد لطفك وكرمك، وألّف بين قلوبنا يا خير مسؤول.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة