معيار الناجحين : الطيب

العدد: 
15373
خميس, 2018/07/12

إذا كثر الخبيث وزاد فينا...

فليس لطيب أبدا قرينا

فحاذر أن تماشيه حياة...

وكن في معزل دنيا ودينا

تتوارد الأيام عقب الأيام والأعوام بعد الأعوام ويتوالى الناس في هذا الكون على قسمين: طيب وخبيث. وهذان القسمان هما اللذان يشكلا الفرق بين النجاح والفشل الحقيقيين. قال تعالى (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب)آل عمران 176.

وكذلك ينقسم عمل الناس إلى قسمين: عمل طيب وعمل خبيث، ومغريات الدنيا وشهواتها تجعل القسم الثاني - الخبيث- يفوق في الكم القسم الثاني - الطيب -

وفي إطار الحديث عن مكارم الأخلاق والفضيلة التي أتت الأديان لترسخها فإننا نجد أن تلك الأخلاق حضت على السير في طريق الطيب والابتعاد عن سلوك الخبيث فالله جل جلاله لا يريد من عباده أن لا يكتسبوا من الأخلاق والأعمال والأموال إلا الطيب، والقرآن الكريم قد فرق بين الطيب والخبيث فقال الله تعالى: (قُل لاَّ يَسْتَوِي الخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ) المائدة 100، فالطيب قليل وقليل فاعله، والخبيث كثير ومن يسعون إليه كثر لهذا وصف ربنا عز وجل سيدنا رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – بأنه يحل الطيبات ويحرم الخبائث فالمسلم المتمثل لأمر الله عز وجل المقتدي برسوله عليه الصلاة والسلام المتبع لكل ما جاء به هو من لا يصدر عنه من الأقوال إلا الطيب (إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)، فالمؤمن كله طيب قلبه ولسانه وجسده أيضاً، بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة، والتي هي ثمرة إيمانه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا الِلَّهِ إن كُنتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب.. يا رب.. ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)، رواه البخاري. فربنا عز وجل منزه عن النقائض كما ورد في الحديث (إن الله طيب يحب الطيب نظيف يحب النظافة، وجواد يحب الجود) رواه الترمذي.

وإن من أهم مظاهر الطيب الذي يحبه الله تعالى هو طبب الطعام، ولا يعني لذته بل أن يكون من حلال، نعم الطعام اللذيذ النافع الذي تشتهيه النفس مقبول ولكن الأهم أن يكون من مصدر حلال، وإذا كان الأكل حلالاً فستكون اللازمة له قبول العمل الصالح، وبالتالي إن كان الطعام من حرام فإن العبد لا يلهم بالعمل الصالح ولا يقوم به، وحتى إن قام به فلن يكون مقبولاً، ذلك أن في غذاء الحرام معنى يسري في العروق ويخالط اللحم والدم ويغلب على الطبع فيجعل آكل الحرام بعيداً عن فعل الصالحات لذلك فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ( كل لحم نبت من سحت - حرام - فالنار أولى به) رواه أحمد. أولى به لأنه لم يسر في طريق الصالحات ولم يفعل فعل أصحاب الجنة فلم يكن من أهلها.

وربما يسأل سائل في زحمة هذه الدنيا كيف يمكن للمرء أن يضمن الحلال في المأكل والمعاش، والجواب أن أهم ما يجعل يؤكد ذلك الحلال هو أن يكون الإنسان مستجاب الدعاء، إذا رفع يديه إلى السماء داعياً يستجيب الله له. لذلك فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (أطب مطعمك تستجب دعوتك) رواه الطبراني.

فالرجل الذي أطال سفره -ومعلوم أن دعاء المسافر مستجاب - وقد تورط بأكل الحرام والعيش الحرام فهو بهذه الحال لا يستجاب له.

لقد نصب الحرام لدعوته سدا منيعا أبعدها عن القبول والاستجابة.

والحق الذي لا يرتاب فيه عاقل أن الإنسان المؤمن الذي جعل من حياته مزرعة للطاعات إن وقع في حرام الطعام والمعيشة فقد عرض نفسه للهلاك لأنه لا يطلب شيئاً إلا من الله تعالى فإذا أغلق ذلك الباب بالحرام عاش بأسوأ حال حتى يتخلص من الحرام بالتوبة والإصلاح.

نسأل الله تعالى أن يكرمنا بحلاله ويغننا به عما سواه لنبني أنفسنا وأسرنا ووطننا في ساحات رضاه وبركته.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة