سويداء القلب .. الوجه الذهبي الموشوم في الذاكرة

العدد: 
15387
خميس, 2018/07/26

لم تنمِ البارحة، وأنتَ تقرأ قصص الشهادة في الجبل الأشم، في السويداء، في ريفها، كيف تنام وأعين أهلها هناك كعيون الصقور على احتمال هجوم آخر، ومجازر أخرى... علمتَ بما حصل في قرية (رامي) من مجازر وكنتَ تبكي كالأطفال، على الأطفال الذين تم ذبحهم، على العجائز الذين لاحول لهم ولا قوة، الذين وقعوا فريسة بأيدي الوحوش البشرية. قرأتَ ما كتبه- أحد الرجال الذين هبّوا للدفاع عن قرى السويداء- عن إحدى تلك المجازر، وكنتَ ترتجف وأنتَ تقرأ، كأن السكين على رقبتك، قرأتَ:

تقدمنا نحن مجموعة من الشباب تحت وابل القنص والرصاص، الجثث في الشوارع، جثث رجالنا، وجثث القتلة الإرهابيين، ولكن لامعنى للموت هنا، فرجالنا خلقت لساحات الوغى، وكم مات منهم.. وما إن تقدمنا قليلاً حتى خرجت عجوز من بيتها تبكي وتقول: (ذبحوهم ذبحوهم).. ركضنا ودخلنا البيت، فوجدنا رجلاً عجوزاً في وسط البيت يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويقول: (الحمّام الحمّام) ويلوح بيده نحوه ..هنا جفّ ريقي وبدأتُ أسمع دقات قلبي وشعرتُ بأن الحمّام بعيدٌ بعيد جداً، مشيتُ ببطء نحوه وفتحتُ الباب فرأيتُ الأم وتحتها أولادها مذبوحين في (البانيو)، وجه الولد مثل الذهب، ونعسااااان من التعب، الولد يضم أمه وأخته الصغيرة، رأيت الدم، وركعت على الأرض وصرت أهذي، أضرب على الأرض والدموع تنهمر على خدي. خرجنا وجاءتنا عجوز أخرى تزغرد، وتقول: أنتم أهل النخوة والرجولة...تقدمنا وما عدت أسمع شيئاً. ثملٌ من صوت الرصاص والقتل خرجت، وا أسفاه أنا تأخرنا، ولكن تأكد يا أيها الولد أن وجهك الذهبي لن يبرح ذاكرتي حتى موتي. أنا واحد من الناس التي فزعت ورأت رجال أهل النخوة والرجولة من القرى كلها، شكراً لنخوتكم والرحمة للشهداء*..

أنى لك يا رجل أن تقرأ هذا ولا تبكي كما لم يبك الرجال، وعدتَ لتقرأ مرات ومرات كأنك تود أن تحفر صور هذه المجزرة في ذاكرتك للأبد.. القشعريرة تسري في جسدك، والحشرجة في حلقك كالشوك.

لم تنمِ البارحة، وكيف لعينيك أن تغمضا وهناك في الجنوب دم وشهداء. لم تختلف مجازر ريف السويداء عن تلك التي حصلت في ريف اللاذقية، وفي أرياف أخرى من وطنك. الدم واحد، والألم واحد، والعدو واحد ولكن بوجوه مختلفة.. وتتذكر تلك القصص التي سمعتها عن مجازر ريف اللاذقية، وتشهق بالبكاء.. وكيف تنام؟!

مجازر الريف السوري في هذه الحرب اللعينة فاقت مجازر دير ياسين وكفر قاسم وقبية وحشية وقتلاً، فاقت كل المجازر التي حصلت في التاريخ الدموي..

علمتَ بما حصل في ريف السويداء، وكان صوت التلفاز، يملأ أذنيك: (الرجل الذي لم يوقّع) وصدى صوتٍ خالدٍ يملأ الأفق: (لا توجد سياسة أمريكية، بل توجد سياسة إسرائيلية تنفذها الولايات المتحدة الأمريكية).

* المجزرة رواها المهندس كرم منذر بالعاميّة

حلب
الكاتب: 
بيانكا ماضيّة