كسوف القمر بين المظهر والجوهر

العدد: 
15389
سبت, 2018/07/28

إذا حلّ الكسوف بوجه بدرٍ...

عظيمٍ لم يكن يَعروه عذرُ

وحال النور في الدنيا ظلاماً

كأن الكون لن يُبقيهِ هدْرُ

فذا درسٌ يقولُ لنا بحقٍ :...

بنا يا خلقُ ليسَ يليقُ كبْرُ

كان كسوف القمر حديث الناس وسبب للكثير من التساؤلات مما جعل من الضروري شرح هذه الظاهرة الكونية العظيمة في منظور ديننا الحنيف.

والحقيقة أن سبب كسوف القمر كما هو معلوم هو توسّط القمر بين الشمس وبين كوكبنا الأرض، وأما خسوف الشمس، فهو توسط القمر بين الشمس وبين الأرض، وتتكرر ظاهرة كسوف القمر وخسوف الشمس عبر الزمان وفق المشيئة الإلهية في أوقات أكتشفها الفلكيون فيما بعد .

وقد حدث أن خُسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان له في تلك الحادثة توجيهات وتصرفات نبوية عظيمة فقد وردَ عن أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَقَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَزِعاً، يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى المَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ، وَقَالَ: «هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللهُ، لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئاً مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ». متفق عليه.

فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذه الظاهرة الكونية ينبغي أن تكون محفّزاً لنا على السلوك القويم والحياة المستقيمة؛ من خلال العودة إلى الله تعالى بالذكر والدعاء وطلب المغفرة.

في إشارةٍ عرفانيةٍ تبين الجوهر المقصود من الكسوف إذ أن الإنسان مهما علا شأنه وبلغت قُدرته وطال عمره فهو بالنسبة لهذه الدنيا فرد زائل؛ ولن يبلغ من العظمة والتأثير ما تبلغه الشمس أو القمر من تأثير فبهما يسير نظام دنيانا وتنتظم أوقاتنا، ورغم ذلك فإن هاتين الآيتين العظيمتين تظهران بمظهر الضعف في الكسوف والخسوف؛ لنتعلم أن الكمال والقوة والكبرياء والمجد لله ومن الله سبحانه، يلبسها من يشاء وما يشاء، من مخلوقاته وينزعها عمن يشاء في الوقت الذي يشاءه، سبحانه وتعالى.

نعم أقرأ في كتاب الكون حالة كسوف القمر درساً في التواضع والخضوع لمالك الملك سبحانه وتعالى في تجَلًّ عظيمٍ لا يمكن أن ينكره كل ذي عقل.

فيا ربنا يا خالقنا يا غاية رغبتنا اغفر ذنوبنا وتولنا بولايتك وارض عنا بفضلك يا أرحم الراحمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة