التبسّم الخير المجّاني

العدد: 
15397
أحد, 2018/08/05

أطلق لوجهك في الأنام عنانا

عطّر حياتَكَ ولتُرِح وجدانا

واجعل تبسُّمَكَ الدليلَ على الذي

بين الضلوعِ محبةً وحنانا

في لأواء الحياة وكُرباتها، لا بدّ للمرء من محاطاتٍ للراحة؛ يلتقطُ فيها أنفاسه؛ ويستعين بها على القادم من الأزمنة، ومن تلك المحطات السريعة والمهمة محطة طلاقة الوجه، التبسّم ؛ إنها جسر العبور إلى قلوب الآخرين.

لا زلت أذكر منذ الطفولة ذلك الرجل الذي كان يبتسم كلما  رآني مع أصدقائي ذاهبين للمدرسة أو آيبين منها. كانت ابتسامته تبعث في نفوسنا السرور لقد أحببناه، كانت ابتسامته سفيراً لأعماق قلوبنا.

علمتُ بعد ذلك أن:

الابتسامة من الدين، إنها عبادة تجعل لنا رصيداً من الحسنات تكون في ميزان أعمالنا يوم القيامة. كما تجعل لنا رصيداً من المحبة في قلوب الناس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة» رواه الترمذي

الابتسامة كما تجمع القلوب على صاحبها فإنها تجمع له أنواع الرزق أيضاً، فالبائع الذي يبتسم يكثر زبائنه ويزداد رزقه، أما البائع المتجهم فلا يستقطب أحداً بل ينفر من تجهمه الناس، لذلك قال قدماء الصينيون: "إن الرجل الذي لا يعرف كيف يبتسم لا ينبغي له أن يفتح متجراً"

الابتسامة هي السحر الحلال، والماء الزلال في صحراء الحياة المليئة بالمتاعب، إنها تُفصحُ عن صفاء النفوس وخلوها من الأحقاد والضغائن.

الابتسامة فن إنساني ينبغي تعلمهُ على كل من لا يُجيدُه؛ ليستطيع أن يتواصل مع الآخرين، الابتسامة ثقافة الوجه الطلق والأسارير المنفرجة، إنها مظهر السماحة والسعادة والرضا، وهي التي تصنع مجتمعاً جميلاً مترابط.

ومما يُحكى عن أثر الابتسامة في الحياة أن رجلاً يعمل في أحد مصانع تجميد وتوزيع أسماك، في يوم من أيام العمل وبعد موعد انصراف الموظفين دخل الرجل غرفة التبريد، وعلى حين غفلة منه انقفل الباب عليه وهو بالداخل، كان جميع الموظفون قد غادروا المصنع ولم يبق منهم أحد يساعده، وأخذ الرجل يصرخ بأعلى صوته ويضرب الباب بكل ما أوتي من قوة وبعد انقضاء خمس ساعات وبينما كان على وشك الموت دخل أحد رجال أمن المصنع "حارس" وفتح الباب له وأنقذه.

بعد أن تم إنقاذ الرجل ورجوعه الى الحياة التي كاد أن يفقدها، سألوا رجل الأمن: كيف عرفت أن هناك رجل داخل الثلاجة ؟! فرد عليهم: أنا موظف هنا منذ خمسة وثلاثين عاماً ، والموظفون بين داخل وخارج أثناء يوم العمل ﻻ يلتفت أي منهم لوجودي على بوابة المصنع، عدا هذا الرجل، فهو يستقبلني بابتسامته الجميلة وبتحيته الصباحية يومياً، ويودعني بسلامه وتمنتياته أن يراني على خير في اليوم التالي واليوم وبعد ساعات العمل انتظرت مروره ليودعني أثناء خروجه ولكن انتظاري طال لساعات، فأحسست بأن هناك أمر غير طبيعي، وأخذت أبحث عنه في جميع أرجاء المصنع، إلى أن قادني تفكيري الى الثلاجة، وفتحتها فعلا ولقيته بين الحياة والموت، فسارعت إلى نجدته وإنقاذه.

إن ابتسامة ذلك الرجل التي بنت جسور المحبة بينه وبين حارس المصنع هي التي حرّكت عجلة إنقاذه من الموت.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال للصحابي الجليل أَبي ذرٍّ رضي الله عنه: (لا تَحقِرَنَّ مِنَ المَعْرُوف شَيْئًا، وَلَو أنْ تَلقَى أخَاكَ بوجهٍ طليقٍ ) رواه مسلم.

فيا ربنا أعد البسمة على وجوه جميع أبناء وطني وامسح عن قلوبنا جميع الأحزان.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة