العطاء بلسم الحياة

العدد: 
15406
ثلاثاء, 2018/08/14

العطاء هو سخاء النفس ونداوة الكف، هو الجودُ والكرم، والإنسان بغير عطاء لا يمكن أن يعيش، إذ أن الحياة في سائر تفاصيلها تحتاج إلى عطاء.

عندما يتقلب الإنسان في سنوات حياته لا بدّ أن يرافقه العطاء فالطالب يعطي وقته للدراسة، والمعلم يعطي وقته للطالب، الطبيب يعطي وقته للمريض، حتى المريض يُعطي ثقته للطبيب ليستطيع تناول الدواء، الحياة الأسرية تقوم على العطاء، والمجتمع يزدهر بالعطاء.

عندما كنتُ صغيراً علمني والدي رحمه الله أن كل عطاء يعود على صاحبه بعطاء. تعطي الفقير مالاً، يعطيك الله أضعافاً من المال والسرور والطمأنينة.

وفي قصة قرأتها تحكي عن امرأة في إحدى البلاد الأوروبية كانت مسافرة فتعطلت سيارتها في وسط الطريق، وقف شاب لمساعدتها، لكنها خافت لأنه يبدو من خلال شكله أنه فقير وقد يغدر بها في أية لحظة. إلا أنها قبلت مساعدته لعدم وجود خيارٍ آخر.

اقترح الشاب على السيدة أن تبقى داخل السيارة لتقي نفسها من البرد القارص ونزل هو تحت السيارة وبدأ بإصلاحها وتمكن من ذلك، عندها سألته عن المبلغ الذي يريده لقاء تلك الخدمة الكبيرة، إلا أن الشاب ابتسم وقال لها اسمي سامي ولا أريد منك مالاً. كل ما أريده منك أن تمدي يد المساعدة للشخص التالي الذي تصادفيه محتاجاً للمساعدة.

أكملت السيدة طريقها فتوقفت بعد بضعة أميال في استراحة صغيرة على الطريق. وجدت فيها امرأة حامل، كانت تعمل في تلك الاستراحة، وبعد أن قدمت المرأة الحامل ما طلبته السيدة، دفعت لها السيدة مئة يورو، فأسرعت المرأة الحامل لجلب باقي النقود، لكنها لم تجد السيدة عند عودتها. وجدت رسالة على الطاولة تقول لها أنها لا تدين للسيدة بالباقي، بل قالت لها الرسالة أن السيدة تركت لها خمسمئة يورو أخرى تحت مفرش الطاولة.

فرحت المرأة الحامل بتلك النقود وهي عائدة إلى المنزل لأنها كانت تفكر بصعوبة الحال وحاجتها هي وزوجها للمال خصوصاً مع قدوم الطفل في الأيام المقبلة. وحالما وصلت المنزل عانقت زوجها وقالت له

"كم كان عطاء الله رائعاً يا سامي" قبل أن تخبره عن المال الذي حصلت عليه من السيدة.

لقد أعطى سامي العون ورفض الأجر فجاءه العطاء نفسه من طريقٍ آخر.

العطاء يصدر عن أهل القلوب المطمئنة والنفوس الساكنة والقلوب الشجاعة التي لا تخاف؛ نعم إن العطاء شجاعة،  ومصداق ذلك قول ذلك الرجل الذي سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ ، فَأَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ : أَيْ قَوْمٍ، أَسْلِمُوا ! فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ رَجُلٍ، لا يَخَافُ الْفَاقَةَ". رواه مسلم.

العطاء بقاء، إنك تعطي في الدنيا؛ فتبقيه للآخرة، فعندما ذبح النبي صلى الله عليه وسلم شاةً وقام بتوزيعها ثم سأل صلى الله عليه وسلم: (ما بقي منها؟)، قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما بقي منها إلا كتفها، قال: (بقي كلُّها غير كتفها). رواه الترمذي.

العطاء ترقٍّ وسمو في سماء الخيرية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خير الناس أنفعهم للناس"

العطاء حصول على محبة الله تبارك وتعالى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ":الخلق عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله"

اللهم افض علينا من عطائك، وأكرمنا بنعمائك، وأصرف عنا كل مكروه يا أكرم الأكرمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة