يوم عرفة : الفضل والفضيلة

العدد: 
15410
سبت, 2018/08/18

ها هو يوم عرفة مقبلٌ علينا في أواخر العشر من شهر ذي الحجة المُحرّم، هذا اليوم الذي خصّه الله تبارك وتعالى بزيادة في الفضل ومزيدٍ من الشرف والأجر الكبير على سائر أيام العام؛ فيه تتجلى معاني المساواة بين البشر؛ الأبيض والأسود، الكبير والصغير، الأمير والغفير، الغني والفقير، جميعهم يقفون في صعيدٍ واحد عبيداً لله تعالى.

ومن لم يستطع أن يقف في عرفات فإن باستطاعته أن يتعرض لفضله وينال ثوابه ويحظى بنفحاته، إذ ليوم عرفة فضائل تميزه عن غيره من سائر أيام العام من حيثياتٍ عِدّة: فهو مميز من حيث مكانته التاريخية. ومن حيث تجلياته الإلهية. ومن حيث الأجور الأخروية.

تميّز يوم عرفة من حيث المكانة التاريخية:

1- يوم عرفة هو اليوم الذي التقى فيه سيدنا آدم عليه السلام بأمنا حواء وتعارفا بعد خروجهما من الجنة في هذا المكان ولهذا سمي بعرفة، وفي رواية ثانية أن جبريل طاف بالنبي إبراهيم عليه السلام فكان يريه مشاهد ومناسك الحج فيقول له: "أعرفت أعرفت؟" فيقول إبراهيم: "عرفت عرفت" ولهذا سميت عرفة. وما أعظم اليوم الذي بدأت فيه الحياة البشرية مسيرتها على كوكبنا.

2-في يوم عرفة نزل قوله سبحانه وتعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾[المائدة: 2]. وهذه الآية الكريمة تحمل أعظم بُشرى للمؤمنين حتى أن اليهود قالوا لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنكم معشر المسلمين تقرؤون في كتابكم آية لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً.. فقال عمر لهم: وما تلك؟ قالوا هي قوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ ؛ فقال عمر رضي الله عنه: والله إني لأعلم في أي يوم أنزلت وفي أي ساعة أنزلت وأين أنزلت وأين كان رسول الله- - صلى الله عليه وسلم - - حين أنزلت: أنزلت ورسول الله فينا يخطب ونحن وقوف بعرفة.. هكذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه مُشيراً إلى أن المسلمون يعلمون فضل هذا اليوم.

3- في يوم عرفة في حجة الوداع عاد الزمان فاستدار كهيئته فلم يعد يمكن التلاعب بالزمان ولا بالمواقيت كما كان الأمرُ في الجاهلية وقد صرّح بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ( إن الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض) .

4 - إن يوم عرفة يوم أقسم الله به، والعظيم لا يقسم إلاّ بعظيم، فهو اليوم المشهود في قوله تعالى: ﴿ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ﴾ [البروج: 3]. قال أبو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ..."؛ رواه الترمذي.

ويوم عرفة هو الوتر الذي أقسم الله به في قوله: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾ [الفجر: 3]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الشفع يوم الأضحى، والوتر يوم عرفة".                                      

تميّز يوم عرفة من حيث التجليات الإلهية:

1- إن يوم عرفة هو من أفضل الأيام عند الله... فهو يوم تجليات المغفرة والعتق من النار والمباهاة بأهل الموقف، وهذا ما أخبر عنه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم حيث قَالَ: (مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى بِهِمُ الْمَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ)؛ رواه مسلم.

2- إن يوم عرفة يوم تجليات الاستجابة للدعاء فهو يومٌ يرجى إجابة الدعاء فيه، قال صلى الله عليه وسلم: (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)؛ رواه الترمذي.

3- إن يوم عرفة يوم يغيظ الشيطان، ويعم الله عباده بالرحمات ويكفر عنهم السيئات، ويمحو عنهم الخطايا والزلات، مما يجعل إبليس يندحر صاغرا؛ يقول حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يصف حال الشيطان في ذلك الموقف: (مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائكة)؛ رواه الإمام مالك في الموطأ.

تميّز يوم عرفة من حيث الثواب:

جميع الأعمال في يوم عرفة بل في الأيام العشر مضاعفة الأجر والثواب من الله تعالى لاسيما الصيام إذ صيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين، وهذا ما أخبرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم حين قال: (صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ)؛ رواه مسلم.

وصيام يوم عرفة يستحب لغير الحاج، أمّا الحاج فلا يسن له صيام يوم عرفة؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك صومه.

فيا ربنا يا خالقنا يا غاية رغبتنا انفحنا بنفح يوم عرفة، وأكرمنا بعطاياه وتجلياته، أعد علينا وعلى أوطاننا عوائد فضلك وإحسانك يا أرحم الراحمين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة