متعة هندسيّة

العدد: 
15438
سبت, 2018/09/15

تعود بي الذاكرة إلى سنوات خلت حين كنت طالبة في عامي الجامعي الأول في كليّة الهندسة المدنيّة....وككل الطلاب كان من أهم الأسئلة التي تبادرت إلى ذهني: هل سأتمكن  من متابعة مشواري التعليمي دون (تعثّر)؟

وأخذ السؤال يرعبني وبدا الرعب جلياً في عيني فأصبحتا مستديرتين، واستفحل هذا الشعور حين تعرفت على أصعب المواد الهندسية، وتم التعارف عن طريق دكتور المادة صاحب النظرات القاسية من خلف النظارات السميكة الذي اعتاد أن يرسم على السبورة الخضراء خطوطاً مستمرة ومنكسرة لها أيادٍ وأرجل وحولها أسهماً متراصة وأخرى متباعدة أسماها (جوائز)، واشتدّ ألمي حين اكتملت الصورة بدرس أسماه (المفاصل الجائزية)، حينها قررت الاستعانة بأحد الزملاء، وتواعدنا في مكتبة الكلية، يومها فتح الزميل دفتره بطريقة استفزازية وبدأ بالحديث: سيغما أف اكس يساوي الصفر...العزم مع عقارب الساعة موجب وعكسها سالب، ونظرات الاستعلاء وألفاظ التهكم لا تفارق حديثه، ولم أفهم ما قاله إطلاقاً، فقررت عدم الاستعانة بصديق.

وازداد الأمر سوءاً حين أقبلت المذاكرة كوحش كشر عن أنيابه، ونلت علامة الصفر الذهبية بلا منازع، وأخذت أبكي وأبكي فيما زملائي يشفقون علي، وبلغت مأساتي ذروتها حين طرح الدكتور (أستاذ المادة) في إحدى المحاضرات سؤالاً هندسياً وقام بتوجيهه للطلاب يومها، بدا لي السؤال غير مفهوم على الإطلاق وكأنه باللغة الصينية، وهنا برز فارس التفوق الأول ليجيب على السؤال، ثم ناقش الدكتور بانفعال، والطلاب يعيدون طرح أسئلة أكثر تعقيداً، وحين انتهت المحاضرة تابع الطلاب مناقشاتهم وإبداعاتهم رغم خروج الدكتور من القاعة ليعلقوا ببهجة: ما أمتع الأفكار التي طرحت في هذه المحاضرة! وعقب آخرون: تمنيت أن تطول هذه المحاضرة لساعات أخرى.  

وعدت إلى المنزل معانقة وسادتي، أسوة بالأفلام العاطفية حين يبكون حبهم الضائع وأنا أبكي علاماتي الضائعة هامسة لنفسي: أنا لا أستوعب وهم يستمتعون ....الوداع للنجاح في هذه المادة حتى إشعار آخر... وبكيت طويلاً.

وأشفقت صديقتي على دموعي المنسكبة، فأعطتني ورقة الإجابات أثناء المذاكرة التحريرية، أي إنني فعلياً غششت، وبعد الغش نلت 4 درجات فقط.

وكان مجرد النظر إلى المقرر يشعرني بالموت البطيء، فالكتاب أشبه بقاموس الصينية- اليابانية للمصطلحات الهندسية.

وفي يوم الامتحان كانت الأرقام تقفز فوق الخطوط وقرب الأسهم، وبالطبع بدت الأجوبة في دفتري الامتحاني أشبه بالزواحف على صفحة الصحراء.

وبعد الامتحان تناقش الزملاء بحدة وانهار كبير المجتهدين لأنه نسي واحدة العزم، وحين أكد له أستاذ المادة أنه سيخسر درجة واحدة نزع المجتهد نظارتيه ومسح دموع الفرح المنسكبة على وجنتيه.

وبكيت بحرقة لأنني متفوقة في جميع المواد ولا أستوعب هذه المادة تحديداً، وهكذا رافقتني المادة إلى السنة الرابعة، وتخرجت من الجامعة ولم أشعر بالمتعة الهندسية.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
م. ياسمين درويش