ماذا يعني الوزن الشعري ؟

العدد: 
15442
أربعاء, 2018/09/19

على الرغم من اضطراب عوالم هذا الكون إلا أنه قائم على توازن دقيق لا يختل ولا ينحرف وقد ضبط بميزان معجز لا يزيد ولا ينقص بل يدل على توافق وانسجام عناصره، فما تخاله اضطراباً في الكون نتيجة ما يحدث من زلازل وكوارث مثلاً إنما هو جزء من نظام كوني متوازن لا بد من حدوثه ليبقى عالماً متوازناً محكم التدبير قد ضبطت أعشاره وأجزاءه، فهذا الكون المتوازن الذي تتجلى آياته في كل حين ترصد إعجازه بصائر المتفكرين وتؤيد نتائجه بحوث العلماء.

ففي القرآن الكريم ذكر الوزن والميزان في أكثر من عشرين آية تبين في معظمها أهمية التوازن الموجود في الكون والذي لولاه لفسدت الأرض بمن عليها، والإنسان هو المخلوق المعجز الذي يتمثل فيه التوازن المعجز بدءاً من خلاياه وانتهاء بأطرافه من يدين وساقين وعينين وأذنين ودماغ مكون من فصين متقابلين، فمنذ الأزل كان الإنسان يميل إلى محبة كل ما هو متوازن ومنسجم ومتناسق وجميل بدءاً من الأشياء المحيطة به وانتهاء باللغة التي يتحدث بها والتي تمثل كل شيء بالنسبة إليه فهي أرضه وبحره وجوه.

من أجل هذا حرص الإنسان أن يكون كلامه مؤثراً وصحيحاً ومقنعاً ليمارس حياته بالشكل الأمثل من خلال إقناع الغير بما يقوم به، إذ تنوعت طرقه وأساليبه في تحسين لغته وتنميقها ليزيد في تأثيرها ويشد من أزر معانيها كي تنفذ إلى قلوب السامعين وتحدث التأثير الذي يرمي إليه.

وكان العرب وما زالوا سادة علم الكلام ورواده وقد أحاطوا بكل فنونه وأبدعوا فيها، فكان علماً مستقلاً له خصائصه وسماته المميزة وكانوا يستخدمونه في حياتهم العادية وفي خطبهم ومفاخرهم ومؤلفاتهم التي ما زالت شاهدة على إبداعاتهم وعلو شأنهم في هذا المجال، فتعددت فنونه وأشكاله، فهناك الكلام العادي والمقفى والمقامات والرجز إضافة إلى الشعر الذي تميز به العرب عن سائر الأمم ببحوره وإيقاعاته المختلفة.

في حقيقة الأمر إننا حين نسمع بيتاً شعرياً من البحر الوافر مثلاً فإننا نسمع نسقاً إيقاعياً وموسيقياً يختلف عما نسمعه من بيت منظوم على البحر البسيط مثلاً.

فكما أن هناك في علم الموسيقا سلماً موسيقياً اسمه سلم /دو/ أو /فا/ فهناك بحر اسمه الخفيف أو المتقارب أو الكامل ولكل منها نسق إيقاعي وفواصل موسيقية تختلف عن البحور الأخرى، ولو أردنا إنصاف تلك البحور لأسميناها بما تستحق ليصبح اسم البحر الكامل مثلاً / سلم الكامل الموسيقي/.

إذن فالكلام العادي هو الحديث الذي يدور بين الناس في حياتهم العادية ولكن عندما يريد المتكلم أن يكون أكثر تأثيراً مع من يتحدث إليه فإننا نراه يرفع من سوية كلامه فينتقي كلمات أكثر إقناعاً وتأثيراً وقد يستعين بالحكم والأمثال العربية حيناً والكلام المقفى ذي الوزن والإيقاع الموسيقي حيناً آخر ويرفده بأبيات من الشعر، ونرى ذلك واضحاً في كل جوانب الحياة فحتى الباعة في الأسواق يميلون إلى جعل نداءاتهم ذات قافية ووزن موسيقي ليكون تأثيرها أكبر ولتلفت انتباه المشتري وتؤثر فيه وتدعوه إلى الشراء.

فعندما ينادي بائع ويقول: / تعال وشوف متل الذهب بلدي وشغل حلب / فإننا نجد تكراراً وتتابعاً لحرف الباء فيما يشبه القافية الشعرية أو حين ينادي ويقول:/ أكل السلاطين يا تين/ نعرف أيضاً أن حرف النون يقفو من سبقه ويشبهه.

نجد تكرار ذلك في الأمثال الشعبية مثل: / يا مأمنة بالرجال متل المي بالغربال/ أو /خبزك حنطة وخبزي حنطة ليه ها الخلطة/ وإذا قطعنا تلك الأمثال عروضياً فإننا نجدها موزونة وهي من جوازات البحر المتقارب /فعلن – فعلن – فعلن/.

ونجد في الأمثال العربية القديمة أيضاً ما يشبه الوزن والقافية مثل: / البوه يحبه أبوه/ ويقصد بالبوه هنا طائر البوم. و/الصيف ضيعت اللبن/ الموزون الكلمات والذي جاء على إيقاع /متفاعلن – متفاعلن/ ونجد ذلك أيضاً في الكثير من عناوين الكتب مثل: /الوافي في العروض والقوافي/ و/الأنوار ومحاسن الأشعار/ وكتاب /الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة/.

ومثل هذا الكلام لم تأمر به سلطة عليا ولا جاء بأمر ملك بل تكون وتطور بشكل عفوي عبر آلاف السنين وبما يتوافق مع الفطرة والسليقة اللغوية السليمة عند العرب.

ونجد مثل هذا التكرار المحبب والإيقاع الموسيقي العذب في القرآن الكريم. فالله الذي خلق الناس قد وضع وأعد كل ما هو جميل وبليغ ليهدي خلقه ففي كل آية وسورة منه نرى بلاغة القول وجمال الصورة والإيقاع الموسيقي الذي يسحر كل من قرأه وسمعه، ففي سورة الإخلاص نرى مثلاً هذا التكرار عند كل فاصلة قرآنية كقوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم / قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد/.

ولعل خير وصف القرآن وبلاغته كان للوليد بن المغيرة حين قال: /والله لقد سمعت من محمد كلاماً ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن، إنه له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه يعلو ولا يعلى عليه/.

ومما تقدم يتبين لنا أن للعرب ذائقة وإحساساً لغوياً يتميز بالفصاحة وقوة العبارة وجودة السبك وجمال الصورة إضافة إلى الكلام المقفى والموزون وما في الجمل من تناسق لفظي وأوزان وإيقاعات موسيقية.

من أجل هذا تسيد الشعر فنون الكلام عند العرب لما فيه من فصاحة وجماليات لغوية وإيقاعات شعرية فتغنوا به ومن خلاله كتبوا فكرهم وتاريخهم وعواطفهم ومفاخرهم.

ولأنه من المفترض أن تكتب تلك الأمور المهمة بالكلام الفصيح الراقي والمؤثر فكلما كان البيت الشعري متقناً وجميلاً ازداد تأثيره في النفوس وازداد حماسهم لسماعه فكتبت به أجود قصائد العشاق وأشهر الأحداث والوقائع وأهم الأخبار حتى أصبح للشعر مهرجانات وأسواق يتفنن الشعراء فيها بعرض أشعارهم فإذا كان الشعر جيد السبك وبيّن الصورة أحبه العرب وتلقوه بالقبول وتغنوا به وعلقوا أجوده على جدار كعبتهم المشرفة.

وعلى هذا فكل كلام ليس فيه تلك الصفات لا يؤثر فيهم ولا يثير الحماسة والقبول لديهم على ألا يغيب عنا أن كلمة الحماسة في الشعر لا تعني ذلك الشعر المتعلق بالحرب أو ذاك الذي يصف المعارك ويشيد بالأبطال بل إننا قد نجدها في الرثاء والفخر والهجاء والغزل. ففي كل تلك المجالات لا بد للشاعر من أن يحكم ذوقه الفني وعلمه كي تصل كلماته إلى المتلقي وتستحوذ رضاه وتحرك عواطفه وتشد انتباهه.

إذن فكلما كانت القصيدة مكتملة في التراكيب والصور والإيقاع استطاع الشاعر أن يصل إلى مبتغاه وأن يحقق الغرض الشعري الذي أراده من قصيدته.

وكما أسلفنا نرى أن معنى الحماسة يتعدى وصف المعارك وسرد سير الأبطال، وهذا ما أراده الشاعر أبو تمام في كتابه (الحماسة) فقد اختار القصائد الجيدة السبك، القوية العبارة وتتبع فيه أفضل أساليب الشعراء وطرقهم على اختلافها ليأتي كتابه شاملاً ويعطي لقارئه صورة متكاملة ومنهجاً قويماً يستطيع من خلاله أن يميز الشعر الجيد من الرديء.

ومما تقدم يتبين لنا أن اللغة العربية هي أساس حضارتنا ومنبع فكرنا وتراثنا وأنها كانت وما زالت السد المنيع والحصن الحصين أمام محاولات الغرب الاستعماري في القضاء على مكوناتنا الحضارية والفكرية وقد تنبه أعداء العروبة إلى ذلك فحيثما وجدوا كانوا يحاولون محو التراث العربي واللغة العربية كما فعلوا في الجزائر وأثناء وجودهم في بلاد الشام إذ إنهم وبعد طردهم من بلادنا عمدوا إلى دس الدسائس والمذاهب والأفكار التي تؤدي إلى تدمير اللغة العربية وقد بدؤوا بتوجيه ضربة قاصمة للشعر العربي وذلك بتشويهه وإزالة عنصر الحماسة فيه وتفريغه من محتواه ومقاصده فعمدوا إلى جعله مجرد كلام عادي يفتقد إلى النسق الإيقاعي والموسيقي الموجود في الشعر العربي الأصيل بل أضافوا إلى ذلك مذهب الغموض في المعنى والركاكة والهذيان في اللغة وقالوا: إن الجملة الشعرية كلما كانت غامضة وغير مفهومة ازداد جمالها استناداً إلى مقولة (المعنى في قلب الشاعر) ولم يدركوا أننا كنا ندرس قصيدة لأحمد شوقي في الصف الثاني الابتدائي وقصائد من الشعر الجاهلي في الصف السابع.

ولعل أغرب ادعاءاتهم في الدفاع عن الركاكة في لغة الشعر حين دعوا إلى شيء اسمه (لغة العصر) التي تعني ضمناً الركاكة والشطط والهذيان في الشعر ونسوا أننا في عصر نستطيع فيه بكبسة زر أن نطلع على مئات الكتب والدواوين الشعرية وأن هذا العصر هو العصر الذي يجب أن يأتينا بشعراء جيدين أمثال عنترة والفرزدق والبحتري فما يتاح لنا من مناهل العلم والمعرفة لم يتح لغيرنا ولأسلافنا من الشعراء. وأقول للضبابيين والظلاميين أعداء العروبة: إن هذا العصر هو العصر الذي يجب أن تظهر فيه اللغة العربية بأحلى صورها ومعانيها.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
أحمد منير سلانكلي