قصة قصيرة .. تداخل ألوان

العدد: 
15455
ثلاثاء, 2018/10/02

ما الذي يجعلُها تكتبُ تعليقاً على نصٍّ له رسَمَه بالألوانِ في منتدى يُعنى بقصصِ العاشقين، ولا يوجد تعليقٌ سواه؟!

دخلتُ المنتدى ذا اللون السماوي، بعد أن أرسلَ لي رابطَه. اطلعتُ على العنوان، ثم على جسدِ النصِّ، وما إن نزلتُ إلى الأسفلِ بعد انتهاءِ النصّ، حتى وجدتُ تعليقاً ذا لونٍ أحمر، وعلى هامشِه الأيمنِ قرأتُ اسماً أنثوياً. انتقلتُ إلى التعليقِ، وبدأتُ بالقراءة، وكلما انتقلتُ من سطرٍ إلى سطر، ازدادت ضرباتُ قلبي، حتى لم أعد أستطيعُ المتابعة.. أخذت قسطاً من الراحة لأهدّئ من روع قلبي. ذهبت إلى المطبخ لأحضرَ فنجاناً من القهوة. ثم عدتُ إلى نصّه المرسومِ بالألوان. اطلعتُ بدايةً على مقاطعِه، وتناوبِ الألوانِ فيها: الأحمر فالليلكي، فالأزرق، ومقطع يتداخل فيه لونا الأحمر والليلكي.. قرأت الجملَ بعنايةٍ وتمعّن، فقد تفلتُ مني كلمة ما، يكون المغزى كلّه فيها..

كان النصّ يحتفي برفرفة أجنحة عصفورين عاشقين، وبشدوهما الطرِب. العصفورةُ تشير إلى العصفورِ بالكيفية التي بإمكانه فيها أن يرتّل لها غناءه وشدوَه..وحين يشدو كما ترغب يتداخل اللونان (الأحمرُ والليلكيُّ) وتنتفضُ العصفورة الجميلة سعيدةً، وأنتفضُ أنا كالبركان..

أتلمّسُ بكفيّ حرارةَ وجنتيّ، ثم أضعهما على وجهي كلّه في محاولةٍ بائسةٍ مني لجعلهما حاجزاً بين عينيّ وبين النصّين، وأمسح وجهي بكفيّ كخاتمة لقراءة الفاتحة.

كنتُ أرى صورتَه في صورةِ ذاك العصفورِ، وأرى صورةً ضبابيةَ مجهولةَ الملامحِ في صورةِ تلك العصفورة.. أقرأ جملاً من نصّه، وأنتقل إلى جملٍ من تعليقها، وفي كلّ نقلةٍ يفورُ الدمُ في شراييني، حتى لم أعد أحتمل تلك الحرارةَ التي تلبّستني.

أصلُ إلى المقطع الثاني من النصّ، أقرأ جملةً تشير إلى يومٍ غريبِ الأطوار، تعلن فيه العصفورةُ عشقَها الأبدي، وكان العصفورُ قريباً منها كحبلِ الوريد.. لم أعد أجرؤ على المتابعة، أرتشفُ من فنجان القهوة، فترقدُ القهوةُ بين لساني وسقفِ حلقي، أحاولُ بلعها فيأبى بلعومي استقبالَها، أحاولُ مرة أخرى فتنزلُ بطعمِ العلقم.. أسحبُ لفافةَ تبغ من علبة الدخان وأشعلُها، ولا أجدُ نفسي إلا وأنفثُ الدخانَ للمرة الأولى من طرفِ شفتيّ.

أصعدُ إلى الأعلى، إلى بدايةِ نصّه، أمسحُ العرقَ المتفصّدَ من جبيني، وأعودُ وأقرأ، أصلُ إلى ما بعد اعترافها، إلى جملةٍ تطلب منه العصفورةُ أن يشدو لتستمتعَ بغنائه فينتشيا معاً .. ما إن أقرأ مفردةَ (الانتشاء) الثنائية، حتى أغمض عينيّ، ولا أجد رأسي إلا مطأطئاً، ولبرهة أغطي بيدي اليمنى نصفَ وجهي الأيمن، ثم أعود وأرفعه إلى الأعلى قليلاً، وبأصابعِ يدي اليمنى أتلمّسُ عنقي الذي قبّله في الأمس، أشعرُ كأن عروقي ستنفجرُ تحت مسامِ جلدي.. أتابع القراءةَ، وقد وضعت يدي على فمي..

راح العصفورُ يزقزق، تذهلُه كلماتُها، رقصاتُها... عيناه في عينيها، في شفتيها، في قدميها...ويروح يغازلها، يعبّر عن إعجابه برقصةِ ذيلها، بمنقارِها! أيّ طعناتٍ أشعر بها وأنا أقرأ هذه الحروف..

هي .. تعبر له عن عدم إعجابها بشدوِه؛ إذ تريده خارجاً من قلبه لا من منقاره. يلبّي رغبتَها، ويغني أغنيةً ذاتِ لحنٍ شجيّ، حين تسمعُ هي صوتَ أنينه، تزهو منتصرةً، وحين يبدأ هو بالبكاء لا يعجبُها اللحنُ، فتأخذه لتدلّه على طريقةٍ يغني فيها أعذبَ لحنٍ عرفَه تاريخُ العصافير.

تشيرُ له بأن يقفَ في أعلى شجرة على الجبلِ المواجهِ لهما، وهي تقف في سفح الوادي الذي تطل عليه الشجرةُ، وتبدأ بالغناء ليسمعَ صوتَها فيدله قلبُه عليها، لا عيناه، وحين قرأتُ كلمات أغنيتها التي ابتدأت بكلمتي: "تعال ياحبيبي"..وجمتُ، وجمدتْ نظراتي عليهما، وبدأت أتنقّل من حرفٍ إلى حرفٍ كأني أعيد رسمَهما، حتى أكملت كلماتها، وقرأت دعوتَها له كي يضمَّها بصدرِه الجميلِ الدافئ، فتغفو على وثيرِ ريشه. حينها اغرورقت عيناي بالدموع، وغابت الأحرفُ وغامتْ ألوانهُا وتداخلتْ، وأحسستُ للحظة أن قلبيَ توقّف ثم عاد بنبضةٍ قويةٍ بين جوانحي.

وقفَ على غصنِ الشجرة كما أمرتْه، ونزلتْ هي إلى السفح؛ لتستقرَّ خلفَ نبات برّيٍّ مليءٍ بالأشواك، وبدأت تغني له أغنيتَها اللعينة، بلحنِها الخبيثِ الماكرِ الذي ترنّحتْ منه البراري وسكرت الأغصانُ على سحره، على حدِّ تعبيرِه، وحين ارتعشَ جسدُه من شدّة النشوة، ومدّ جناحيه على عرضِهما، واندفعَ بكل ما أوتي من قوة ٍباتجاهها، وضعتُ ساقاً على ساقٍ وجعلتُ يدي متكأ لوجهي، ورحتُ أتفرّج: دفع صدرَه إلى الأمام، وأغمضَ عينيه، وانطلق كسفينةٍ تمخرُ عبابَ البحر، وبوجهه إلى الوادي حيث استقرّت تلك الحقيرةُ خلفَ النبات، فانغرستْ شوكةٌ منه في صدرِه، وبدأ يتأوه بأعذبِ الألحان، ماجعلها تنتفضُ سعيدةً طربةً، إذ رأت وشعرت بألمه، لكنها طلبت منه متابعةَ الغناء؛ لأن الشوكةَ مازالت بعيدةً عن قلبه... ما ألعنها!

وبكلِ رضوخٍ تابع الغناءَ ناسياً آلامَه.. كيف لا ينساها وقد أمرتْه بمتابعة ِغنائه لها؟! حتى غنى لها لحنَه الأخير، وسقطت قطرةُ دمٍ منه على زهرةِ هندباءَ يابسةٍ، فشكرته إذ لن يغدو طعمُها مرّاً بعد أن سقاها من دمِه. حينها اهتزّت طرَباً تلك القاتلةُ اللعينةُ، وعبّرت له عن جمالِ صوتِه وعذوبةِ غنائِه، فهذا هو نبيذُها الوحيدُ الذي به سُرّتْ، وبه سكِرَتْ.

واستمرّ حضرتُه يغني أعذبَ لحنٍ عرفتْه البراري، واستمرّ النبيذُ يسكرُها هي، إلى أن وصلتِ الشوكةُ إلى قلبِه، فرفّ الرفّةَ الأخيرةَ، ومال عنقُه، وسكَتَ إلى الأبد.

وهنا ما وجدت نفسي إلا قائلة: تستحقُ هذا الموتَ ما دمتَ لهثتَ خلفهَا إلى الدركِ الأسفل.

انتقلتُ إلى تعليقِها الأحمر على نصِّه هذا، كانت مفرداتُها مليئةً بالألمِ والغضب. توقفتُ عند جملتِها التي تشير إلى أن الشوكةَ قد غُرست في قلبيهما قبلَ قلبِ عصفورِهما..صدمتْني الجملةُ، وجعلتني أفكّر كثيراً، وقد بات صوتُها أنيناً خافتاً؛ لكثرةِ صراخِها على عصفورِهما لأجل أن يهتدي إلى الطريق، فارَ وفاضَ غضبُها بلا حدودٍ وانتفضتْ ،واختارتِ الصمتَ نهايةً لهذا الصراخ..

تمعّنتُ كثيراً في هذا الكلام، وفي جملةٍ أخرى، إذ ضمّت مفردةً لم أعد أعرف لمن تعود، كتبتْ: (ما أعلمه أن غضبي الذي سببته تلك المتوحشةُ فاق كل حدود)!! إلى أيّ متوحشةٍ تشير؟! أيكون قد خانَها أيضاً؟!

وما وجدتني إلا عائدةً لجملة وقعتْ في متن التعليق تقول: (وأعلم يقيناً أني أصفّق لمن استطاع أن يجترحَ كل تلك الأحاسيس في قصةٍ ظاهرُها حبٌّ، وباطنُها أنانيةٌ وغرورٌ مطلق)!. لفتني زمنُ نشرِه النصَّ، إذ كان في تمام التاسعةِ مساءً، فيما كان زمنُ نشرِها التعليقَ، بعد يومين وفي الرابعةِ صباحاً!.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
بيانكا ماضيّة