الاهتمام بالآثار

العدد: 
15479
جمعة, 2018/10/26

في عام 1909 قام تاجر ألماني بفك حلة خشبية قديمة في إحدى الدور العريقة في محلة الجديدة بمدينة حلب القديمة ونقلها بصناديق خشبية إلى ميناء بيروت بعد أن اشتراها من صاحبها فوصلت إلى ميناء هامبورغ وأودعت في متحف برلين وتمت المحافظة عليها ووضعت بصناديقها في الأقبية المحمية خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

وهي اليوم تعرض كسفيرة للنقوش السورية عامة وتدعو إلى جلب السياح كدعاية سياحية لمدينة حلب. فهل يعتبر ذلك سرقة؟

اعترض أحد أعضاء مجلس محافظة حلب على تلك الحادثة وذلك في عام 1992 أثناء مناقشة قطاع السياحة والآثار فقالوا: إنها سرقة ويجب إعادتها من متحف برلين إلى مكانها الطبيعي في متحف حلب.

وفي الحقيقة لم تكن في العصر العثماني عقوبات على من يبيع ويشتري الآثار بشكل عام.

وفي عام 2017 تكررت الحادثة ذاتها حيت قام عدد من الأشخاص بفك حلة خشبية لأحد الدور القديمة في محلة باب قنسرين فتقدم البعض بشكوى وحضر عضو المكتب التنفيذي لمجلس المحافظة وأوقف العمل مع وجود فارقين:

1 – صدور قوانين كثيرة خاصة بحماية الآثار وتنظيمها.

2 – تهدم أغلب الدور الأثرية في حلب، وما تبقى على حاله أصبح نادراً، وما يتم ترميمه بشكل كامل محدود جداً.

وفي عام 1922 سرق الجنرال فيغان من قلعة حلب منبر جامع إبراهيم الخشبي وقطعة حجر أثرية و(هناك جامعان في القلعة أحدهما صغير وهو جامع إبراهيم الخليل والثاني كبير وهو جامع إبراهيم باشا نسبة إلى ابن محمد علي باشا والمبني عام 1835م).

وعقب ذلك تأسست أول جمعية تاريخية في حلب عام 1924 وهي من أوائل الجمعيات على مستوى الوطن العربي وكانت برئاسة الشيخ كامل الغزي وعرفت باسم (جمعية أصدقاء القلعة) وهي جمعية تهتم بالآثار، وفي عام 1926 تأسس متحف حلب على بناء قديم بني عام 1900 ثم هدم عام 1960 وبني مكانه متحف حلب الوطني الحالي.

فتم تعديل تسمية الجمعية فأصبحت (جمعية أصدقاء القلعة والمتحف) وفي عام 1931 سميت (جمعية العاديات بحلب).

وحبذا لو كان مقر المتحف أثرياً أي أن يعود إلى أكثر من مئة عام ولكن لقلة المباني الأثرية الكبيرة في سورية تم بناء متاحف حديثة وأصبحت تلك المقرات القديمة للمتاحف متخصصة بقسم من الآثار مثل: متحف التقاليد الشعبية – متحف تاريخ العلوم – المتحف الحربي – المتحف الزراعي....

ففي دمشق تمت مصادرة القصر الأحمر في محلة ساروجة الذي كان يملكه خالد العظم وتم تحويله إلى متحف دمشق التاريخي، وكذلك هناك بناء قديم بالقرب من سوق الحميدية أصبح متحفاً للعلوم عند العرب، وكذلك البناء الأثري أمام حديقة البطرني / قصر المفوض الفرنسي/ أصبح متحف اللاذقية.

وفي حماه نقل المتحف من قصر أسعد باشا العظم إلى مقره الحالي الجديد وأصبح قصر أسعد باشا متحفاً للتقاليد الشعبية، وكذلك الأمر في بعض المدن السورية الأخرى.

وحلب تحتاج إلى متاحف متخصصة مثل: المتحف الحربي أو متحف الشرطة في قسم شرطة باب الفرج القديم ومتحف العلوم وذاكرة حلب ووثائقها في بيت غزالة بالإضافة إلى متحف التقاليد الشعبية الذي تهدم والذي كان مقره بيت أجقباش.

ونحن نتساءل: كم جمعية تاريخية بحلب يجب أن تنشأ وتؤسس للمحافظة على آثار حلب رداً على أعمال الإرهابيين بهدم الجوامع والكنائس والحمامات والخانات والقيساريات والمدارس والتكايا والزوايا والدور العربية القديمة؟!

يجب أن تتكاتف جهود النقابات والجمعيات والاتحادات والمنظمات الشعبية كافة لإعادة ترميم حلب ويجب ألا ننسى دور المنظمات الدولية المحايدة كي تبقى حلب على لائحة المدن التراثية في العالم ولتبقى مصنفة لدى المنظمة الدولية للثقافة والعلوم / اليونسكو/ وتقدم لها الإعانات المادية والمعنوية والفنية والتعاون الدولي المهم. وأول قانون متكامل في سورية صدر في فجر الاستقلال عام 1947 وهو القانون رقم /49/.

وقد تأسست المديرية العامة للآثار والمتاحف بعد الاستقلال مباشرة عام 1946 وساهمت بشكل فاعل في قانون الآثار عام 1947.

الجدير بالذكر أن اتفاقيات التنقيب منذ العصر العثماني وفيما بعد الاحتلال الفرنسي كانت تسمح بنسخ القطع الأثرية المكتشفة، فتارة تأخذ الدولة القطع الأثرية المكتشفة وتارة تأخذ القطع المنسوخة غير الأصلية أي المقلدة.

 ومنذ سنوات كان هناك مشروع قانون جديد للآثار ولكنه لم يقر في مجلس الشعب ليصبح قانوناً لذلك يعتبر القانون رقم /222/ لعام 1963 وتعديلاته وآخرها عام 1999 هي النافذة الآن وسنشرح بعض مواد هذا القانون.

فقد أوضحت المادة الأولى ماهية الآثار، فتعتبر من الآثار: المواد المنقولة وغير المنقولة التي مضى عليها أكثر من 200 سنة ميلادية أو 206 سنوات هجرية باعتبار أن الآثار الإسلامية تؤرخ بالهجري، ويجوز للسلطات الأثرية أن تعد ما يعود تاريخه إلى قبل تلك المدة من الآثار، وهذه السلطة التقديرية منحت بسبب خصوصيتها التاريخية والفنية والقومية، ويصدر قرار وزاري بذلك، ومن هذه الأبنية المميزة:

فيلا لاروز / القصر الوردي/ التي بنتها عائلة كبابه عام 1933 وقد اعتبرت بقرار وزارة الثقافة الصادر عام 1983 أثرية تاريخية.

والأمر نفسه بالنسبة إلى جامع الصديق في الجميلية المبني في الفترة ذاتها والذي هدم جزء منه عام 2002 ثم قامت مديرية الأوقاف عام 2012 بهدم ما تبقى منه ولم يبق منه سوى أطلال جدارين أو ثلاثة جدران، وأثيرت حوله المشاكل الإدارية والقضائية وخاصة حول عدم الحصول على ترخيص الهدم لدى مجلس مدينة حلب وحاشيته بموافقة المدينة القديمة علماً أنه يقع جغرافياً في المدينة الحديثة وليس في المدينة القديمة، وكذلك عدم موافقة السلطات الأثرية باعتبار وجود إشارة (أثري تاريخي) على صحيفته العقارية. وفي الحقيقة هو أول نموذج لبناء الجوامع في حلب على النمط الأوروبي أي (وجائب على الجوانب مع سور حجري بارتفاع 1.5 م ودربزون حديدي فوقه بارتفاع 1.5م).

بينما كان آخر جامع أثري في حلب قد بني عام 1909 هو جامع زكي باشا عبد الرحمن المدرس وهو مبني على الطراز العربي القديم أي (جدران عالية خارجية كتيمة تحجب الرؤية ولها خصوصية وسرية ثم صحن الجامع وقبلية وحجازية ومناهل الوضوء في منتصف الجامع).

والخلاصة : نحن بحاجة إلى ثقافة الاهتمام بالآثار لأنها التراث اللامادي للشعوب والوعاء الفكري والتاريخي الحقيقي لعاداته وتقاليده ولكن قبل الاهتمام بالحجر يجب أن يكون جل اهتمامنا منصباً على بناء البشر الذي هو أصل الحضارة والتقدم والإخاء والسلام والمحبة والاحترام والوفاء.

وهذا الأمر قد يستغرق جيلاً كاملاً والذي يقدر عادة بمدة 35 سنة حتى يظهر جيل جديد مؤمن بذلك على أقل تقدير ولكننا لم ولن نفقد الأمل بالجيل الحالي.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
المحامي مصطفى خواتمي