موسيقار الخط العربي وخطاط الموسيقا المبدع زهير المنيني يغادرنا إلى ديار الخلود

العدد: 
15485
خميس, 2018/11/01

زهير المنيني من الذين صنعوا الإبداع بروحٍ راقيةٍ ومبدعةٍ لامست قباب السماء، فكانت الموسيقا بأنغامها ومقاماتها وإيقاعاتها واضحةً في اللوحات الفنية التي يخطُّها، تماماً كما ظهرت رصانة خطه وإبداعه في الألحان التي يؤلّفها، وفي جمال الخط العربي نظمتُ قصيدة أتى بيتٌ منها واصفاً حال هذا المبدع حيث قلتُ فيه:

فكأنَّما وقعُ الخطوطِ على الرؤى...

وقعٌ على الآذان بالأنغامِ

زهير المنيني من كبار شيوخ الملحنين والمنشدين والشعراء والخطاطين في سورية، ولعله من أواخر تلامذة شيخ الألحان وأستاذ الموشحات والأدوار المبدع الشيخ الأستاذ عمر البطش الحلبي، ها هو يغادرنا إلى دار الخلود مُلتحقاً بقوافل الراحلين.   

إنه زهير بن محمود بن أحمد وضحة المنيني، نسبةً إلى بلدة منين القريبة من دمشق، ولد في حي من أحياء دمشق العريقة وهو حي الميدان في سنة ( 1347هـ- 1929م) ونشأ في أسرةٍ صالحة، وتلقى تعليمه الأولي في الكتاب ثم التحق بالمدرسة حيث درس حتى الصف الرابع الابتدائي.

كان الأستاذ زهير المنيني مُتذوقاً للجمال مما حدا به إلى تعلّم فن الخط العربي حيث تتلمذ على يد الخطاط الكبير والشهير المبدع "محمد بدوي الديراني (1894- 1967)، لمدة تسع سنوات، فتعلم منه فن الخط الجميل لا سيما خط الثلث، وبرع في فن الخط حتى غدا من أهم الخطاطين في سورية. 

وقد تلقى أصول الإنشاد الديني والموشحات من خلال حضوره لحلقات الذكر ومجالس الإنشاد بصحبة والده وكذلك التمارين التي كانت تجريها فرق المدائح والابتهالات في دار والده الشيخ محمود وضحة المنيني الذي كان له الأثر العظيم في تكوين شخصية زهير الإبداعية؛ فالشيخ محمود هو الشيخ التقي الصوفي الزاهد وخطيب الجمعة والإمام ذو الصوت الشجي والشاعر والمنشد والوشّاح المبدع الذي أغنى التراث الإنشادي في دمشق بكثير من الأناشيد، فمن أشعاره التي ذاع صيتها ولحنها كبار الملحنين: موشح "خاطبت ربك لما سريت"، و"يا خالق الأكوان"، و"العرش يزدان والكرسي يبتسم"، وكذلك "الخير كل الخير في حب النبي"، و"يا من لعلاه مددتُ يدي" وقد لحنها أحمد منير عوض على نغمة الرست ولحنها خالد المجبر على نغمة السيكاه، وموشح "شهر الصيام فريضة من صامه" لحنه ولده زهير على نغمة البيات كرد وغيرها.

في هذا الجو النقي والفني المبدع والروحاني الصافي نشأ زهير منيني وكان ذا صوتٍ جميلٍ أهّلَهُ ليكون مُشاركاً بالإنشاد في الحفلات المدرسية وغيرها مما كان يُقام في بعض الدور الدمشقية.

انتسب إلى المعهد الموسيقي الشرقي الذي كان تابعاً لإذاعة دمشق في عام (1946م)، وتعلم من الموسيقي اللبناني عبد الغني شعبان النوتة الموسيقية، والتقى بالمنشد والملحن سعيد فرحات فأخذ عنه فن الموشح وأوزانه، وأخذ المقامات الموسيقية من الموسيقي الفلسطيني يحيى السعودي، كما تعلم العزف على العود على يد الموسيقي البارع فؤاد محفوظ "وهو الذي عاش في حلب وتتلمذ على أسطورة النغم الموسيقار الحلبي علي الدرويش"، كان فؤاد محفوظ في حينها يعمل مع القامة الموسيقية الكبيرة الشيخ المبدع عمر البطش.

وكانت نقطة الانطلاق والتحوّل عندما انتسب زهير إلى فرقة المبدع عمر البطش وتتلمذ على يديه، فتعمق في الموشحات وأوزانها وإيقاعاتها، كما أخذ عنه رقص السماح، وتعلم منه أكثر من عشرين وزناً للسماح، كما تعلم منه الضرب على الرق حتى أصبح بارعاً فيه.

وفي عام (1949م) أُغْلقَ المعهد الموسيقي الشرقي؛ فالتحق زهير بالخدمة العسكرية الإلزامية، وقضى فيها سنة ونصف، وأُعيد افتتاح المعهد الشرقي عام (1951) وأصبح تابعاً لوزارة المعارف فأكمل زهير دراسته فيه، وفي الوقت نفسه تم تكليفه بتدريس رقص السماح، وبعد تخرجه من المعهد عام (1955م) عُيّن مدرساً فيه بصفة رسمية، واستمر في عمله في التدريس حتى إغلاق المعهد عام (1959).

بدأ نشاطه الفني منشداً للقصائد الدينية، حيث أسس فرقة للإنشاد الديني، وعندما عمل مدرساً في المعهد الموسيقي الشرقي شكّل فرقة من طلاب المعهد، أطلق عليها اسم (فرقة فجر الأندلس)، وضمت الفرقة 12 طالباً من ذوي الأصوات الجميلة، وعلمهم الموشحات وأوزانها ورقص السماح، وكان يُعينه في ذلك شقيقه عدنان، وقد أقامت هذه الفرقة العديد من الحفلات الناجحة.

برع زهير المنيني في تلحين نوعين من الغناء هما: الموشحات والإنشاد الديني.

ومن أشهر موشحاته: موشح (يا غزال الرمل) نظم محمود حبوبي، وهو من مقام الحجاز كار كرد ووزن سماعي ثقيل. ويقول مطلعه:

يا غزال الرمل واوجدي عليك...

 كاد سـتري فـيك أن ينتهـكا

وموشح (يا كحيل العين) نظم صبحي المصري، من مقام حجاز كار كرد أيضاً ووزنه داور هندي. ويقول مطلعه:

يا كحيل العين عجّل باللقا.. زادت شجوني

هل ترى أقضي زماني بالنوى.. حتى المنون

ومن الموشحات الدينية التي لحنها زهير منيني (إلهي لا تعذبني) شعر أبي العتاهية، وغناه سليم عبده العقاد وسجل للتلفزيون، يقول مطلعه:

إلـهي لا تـعذبنــي فإنـي...

مـقر بالذي قد كان منّي

وما لي حيلةٌ إلا رجائي...

بعفوكَ إن عفوتَ وحسنُ ظنّي

وموشح (يا خاتم الأنبياء) على مقام نهوند، يقول مطلعه:

يا خاتم الأنبياء...كنت تخلو في حراء

إذ بدا وحي السماء...وحي رب العالمين

أما الأناشيد الدينية فقد تجاوز عددها 100 لحن منها: (إني سألت الشعر) كلمات مصطفى عكرمة على مقام البيات كرد، و(كالمسك ذكراك) شعر ضياء الدين صابوني على مقام البيات المحيّر. و(رسول الله وافانا) شعر محمد بدوي وهبة على مقام الحجاز وغيرها.

وقد كتب الشعر ولحنه أيضاً ومن ذلك قصيدة (إن للمؤمن شهراً) لحنها على مقام الصبا بستنكار، قال فيها:

إن للمؤمن شهراً...فيه أجرُ العاملين

ينشرُ الغفران فيه...ويخصُّ التائبين

ومن شعره أيضاً موشح على مقام الصبا قال في مطلعه:

يا رسولاً أضاء نوره في السماء...

راقياً للفضاء

جلَّ من قد دعاك مُنعماً بلقاك...

ليت عيني تراك

كما لحن زهير منيني إضافة للموشح والقصيدة العديد من الأدوار، فلحن دور (تحيي في الهوى روحي) من نغمة نوى أثر وإيقاع مصمودي.

وله تجربة في القدود حيث كتب: (يا ذا الجلال الأكبرِ) على قد (يا ذا القوام السمهري).

وغنى موشحاته كبار المطربين السوريين منهم: صباح فخري وفتى دمشق وياسين محمود.

كما لحن أغنيات عدة لياسين محمود عام 1957، ومن ألحانه له: (أنا ساهر) و(ليلتنا). ومن ألحانه لصباح فخري: (عدد النجوم)، ولأحمد صابوني قصيدة (جورية قد أطبق الليل جفنها) شعر محمد الفراتي، ولسهام إبراهيم (شكراً لباقات الورد)، ولحن لأديب طويلة قصيدة (قالت رأيتك والهوى بكر)، وليوسف عوض قصيدة (أنام وأحلام الهوى).

وقد سجلت له إذاعة دمشق أكثر من 75 لحناً بصوت سليمان داوود وحمزة شكور وعبده سليم العقاد.

كما صمم زهير مع شقيقه عدنان عدداً من رقصات السماح مع الموشحات، وأدخلا عليها تعديلاً، وكان السماح يتشكل من صفين، فجعلاه أربعة صفوف.

في مطلع الستينيات اعتزل زهير منيني تلحين الأغنيات الطربية، والتفت إلى الإنشاد الديني، ودعي إلى إيران وبقي فيها شهراً ولحن 12 موشحاً.

اعتزل زهير منيني التلحين بكافة أنواعه منذ سنوات وتفرغ لعمله في الخط في محله بشارع البحصة في دمشق. وبقي على إبداعه إلى أن داهمه المرض وتوفي في الرابع والعشرين من تشرين الأول ( 2018م) في مشفى ابن النفيس إثر مضاعفات عمل جراحي، وقد ناهز التسعين من العمر، رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة