ظواهر كونية بشّرت بمولد خير البرية صلى الله عليه وسلم

العدد: 
15494
سبت, 2018/11/10

طاب الثرى لما وطأتَ عليه...

والخيرُ صارَ يفيضُ من جنبيهِ

سعدت بمولدكَ النجوم وهللت...

والكونُ سارَ مجرراً بُردَيه

من خلال التفكّر والتأمّل في ملكوت الله تبارك وتعالى، وهو أمرٌ مطلوب في قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار).

من خلال هذا التفكر نستطيع أن نُلقي نظرةً تأمّلية على أحداث وظواهر كونيةٍ وتاريخيةٍ حدثت في شهر ربيع الأول الذي أقبل علينا هلاله في هذه الأيام المباركة، هذا الشهر الذي ولد فيه نبي الرحمة سيدُنا محمد صلى الله عليه وسلم.

لم يكُن الأمرُ طبيعياً في سائر أرجاء الدنيا عند مولد هذا الرسول الكريم فقد سبقته وتزامنت معه إرهاصاتٌ خارقة لها دلالاتها الظاهرة والباهرة من ذلك:

أولاً: حادثة الفيل: وهي مع أنها ليست من حوادث ليلة المولد إلاّ أنها قريبة الحدوث للولادة، لذا فهي من الارهاصات، وقد بينّها القرآن الكريم في قوله تعالى: (ألَمْ تَر كَيفَ فعَلَ ربُّك بأصحاب الفيل * ألم يجعل كيدهم في تضليل * وأرسل عليهم طيراً أبابيل * ترميهم بحجارةٍ من سجّيل * فجعلهم كعصفٍ مأكول).

وخلاصة الحادثة: أن أبرهة ملك الحبشة أراد هدم الكعبة، فتوجّه بجيشه وساق أمام الجيش فيلاً عظيماً يقال له: محمود، فلما وصل الفيل قرب مكة بَرَك وسلم. يمض مهما حاولوا معه، فلما عجزوا عادوا، إلاّ أن طيور أبابيل لم تتركهم سالمين فرمتهم بحجارة من سجيل وأذلتهم فانهزموا شر هزيمة.

وهذه الحادثة من علائم نبوته صلى الله عليه وسلم حيث نَجتْ قِبلَتُه واحبّ موطن إليه، الكعبة، من دمار أبرهة نجاة خارقة للعادة.

والمتأمل في حادثة الفيل سيجد أن الله تعالى في ذلك الوقت حافظ على مهوى أفئدة المؤمنين؛  بيته العتيق وفي الوقت نفسه أوجد في الكون من يحافظ عليه ويدعو لدينه؛ فكما أن الله تعالى أختار لنفسه بيتاً في مكة يلتف العباد جميعهم ويتوجهون إليه في صلاتهم! فقد اختار لنفسه رسولاً يكون قبلة أرواح العباد ومنبع تبليغهم عنه سبحانه

في عام الفيل حافظ ربّنا تبارك وتعالى على مبنى بيته الحرام فهزم أبرهة.

وأوجد فيه الشخص الذي يحافظ على معناه في ذلك العام؛ فولد السيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وبعبارةٍ ثانية نقول: حافظ ربّنا على المبنى بهزيمة الشر. وحافظ على المعنى بميلاد سيد البشر.

ثانياً: غيض بحيرة ساوة: ولا بدّ لنا أن نتعرّف على تلك البحيرة حيث تقع وسط صحراء مدينة السماوة في أقصى الجنوب الغربي من مركز محافظة المثنى في الجنوب من بغداد، وتبعد عنها 282 كلم.

وهذه البحيرة من عجائب الدنيا فهي على الرغم من أنها تعيش ظروفاً مناخية شديدة الحرارة والتبخر، هي ظروف الصحراء الممتدة بين السعودية والعراق، المناخ الذي يبقى جافاً إلى شبه جاف، إلا أن مستوى مياهها بقي ثابتاً منذ أن عرفتها الجغرافيا، علماً أنه لا يوجد نهرٌ يرفدها ولا  بحر يحافظ على مياهها،

وجزء من غرائبيتها أن مياهها إذا ما سحبت خارج البحيرة، تتحول إلى أحجار كلسية وكأنها ترفض مغادرة رحم البحيرة الأم، تماماً مثل بعض الحيوانات الحية التي تعوض ما يقتطع من أجسادها، فإن ساوه تعوض الأماكن التي تتهدم من سياجها الكلسي بتكلسات جديدة، ومن دون أن يتدخل الإنسان في ذلك، وهو ما لا يمكن لأي بحيرة أو نهر أو لكثير من الكائنات الحية القيام به كما تفعل (ساوه)، ومياهها لا تشبه مياه البحيرات ولا المياه العذبة، ومنذ أزمان عرف أنها تداوي الأمراض الجلدية لوجود تركيبة كيميائية يكثر الكبريت فيها، وفي كل مياه العالم – باستثناء البحر الميت طبعا ً- توجد أسماك صالحة للصيد والأكل إلا في بحيرة ساوه، فأسماكها المكتشفة وجدت عمياء، ويمكنك أن ترى هيكلها العظمي من خلال جلدها الشفاف جداً، وفور خروجها من الماء تذوب في الكف مباشرة مثل قطعة سمن نباتي.

هذه البحيرة الغير عادية فاضت في يوم مولد السيد الرسول صلى الله عليه وسلم، من غير ماء نهرٍ يفيض عليها أو يمدها وهي دلالة على الحدث غير العادي.

وكأنها رسالة كونية تقول: كما أن البحيرة في الصحراء تفيض من غير أسباب ظاهرة. كذلك الهداية في صحراء جزيرة العرب ستفيض إلى سائر المعمورة.

ثالثاً: تصدّع إيوان كسرى: وهو جزء من مقر الملك كسرى آنوشروان في فارس، ويدعى " القصر الأبيض " وكان بناء محكمًا مبنيًا بالحجارة الكبار والجص بحيث لا تؤثر فيه الفؤوس؟ مكث في بنائه نيفا وعشرين سنة، ويعتبر إيوان كسرى وهو وسط القصر - الذي يقع جنوب مدينة بغداد، في موقع مدينة قطسيفون الذي يقع في منطقة المدائن في محافظة واسط، بين مدينة الكوت ومدينة بغداد- من أعظم الأبنية في العالم القديم، وأعلاها، وقد تهدمت جدرانه واندكت ولم يبق من معالمه إلا الطوق وبعض الأسس.

 وسمع لشقه ليلة ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم صوتًا هائلًا، وسقط من ذلك الإيوان أربع عشرة شرفة، وليس ذلك لخلل في بنائه، وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آية لنبيه باقية على وجه الأرض. وهي دلالة على أن وجوده صلى الله عليه وسلم أزال دولة الباطل وأرسى دعائم دولة الحق.

رابعاً: خمود نار المجوس بعد أن كانت موقدة ولم تنطفئ لمدة ألف عام.

ونار المجوس هي من طقوس الديانة المجوسية "الزرادشتية" حيثُ تعتبرُ أداةً للطهارة الروحية لديهم، وكان لها كهنة مختصون يشرفون على بقائها موقدة إلا أنها في يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم انطفأت، وفي هذا دلالة على زوال سلطان ذلك الدين وانتشار الدين الذي جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

خامساً:انتكاس الأصنام: فقد رؤية الأصنام التي كان يضعها المشركون حول الكعبة مُنكسة في يوم مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لتدلّ على بطلان الشرك وثبات عقيدة التوحيد التي جاء بها المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه.

سادساً: كثرة الرجم بالشهب السماوية ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم وما بعدها. والمراد من سقوط الشهب السماوية هو الاشارة إلى قطع رصد الشياطين والجن عن السماء ومنعهم من استراق السمع، فما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد برز بالوحي الى العالم كان لا بدّ من منع الكهان ومن يتكلم عن الغيب كذباً حتى لا يلتبس الوحيُ بغيره ولا تكون هناك أية شبهة كانت في أمر الوحي. فلقد كانت الكهانة كثيرة جداً قبل النبوة، ولكن بعد نزول القرآن الكريم مُنعت.

سابعاً: ظهور نجم أحمد، حيث كانت اليهود تتربص ظهور نجمٍ يدل على ولادة خاتم الأنبياء، وهاجروا إلى المدينة المنورة لهذه الغاية وكانوا ينتظرون ظهور النجم جيلاً بعد جيل، وتذكر كُتب السيرة أنهم رأوا النجم في ليلة المولد وأخذوا يسألون عمن ولدوا في تلك الليلة وتأكدوا من كونه النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.

وهناك إرهاصاتٌ كثيرة لمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرتُ أهمها لا سيما التي تتعلق بالظواهر الكونية التي تأثرت كل التأثّر بمولده صلى الله عليه وسلم.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة