الضمير : شعلة النور في ظلمات الفساد

العدد: 
15521
جمعة, 2018/12/07

لنحيا في الحياةِ بلا عداءٍ ...

ونُحيي في بواطننا الضميرا

لنرقى ذروةَ الخيرات عزماً...

ونبني ساحةً المجدِ قصورا

إذا مات الضميرُ فقد هلكنا...

بدنيانا وأخطأنا المسيرا

أوجد الله تعالى في النفس البشرية وجداناً يقوم مقام الميزان للمشاعر والأحاسيس يميّز من خلاله الإنسان بين الخير والشر، بين الحق والباطل، بين الحَسَن والرديء، وهو الذي يتولى قيادة سلوك الإنسان، هذا الميزان هو الضمير؛ إنَّهُ الشعلة الإلهية المُشعة من قلوبنا لتضيءَ لنا سبيلَ الحقِّ والصواب.

ونقرأ في السنّة النبوية الشريفة هذا المعنى عندما جاء الصحابي الجليل وابصة بن معبد رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله عن البر والإثم فقال له صلى الله عليه وسلم: (يا وابصة، استفت قلبك، البرّ ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك المفتون) رواه أحمد.

بالضمير يمكن أن نرى صواب الأمر من خطئه كما ترى العين الألوان، والقرآن الكريم يشير إلى هذا في قوله تعالى:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ} [سورة ق:16]، هذه الوسوسة أو هذا الصوت الخفي، هو صوت الضمير الذي نسمعه كل يوم يناجي العقل ويصرف عن الشر.

والضميرُ يُصاب بالمرض والتعب والوهن كما يُصابُ الجسم، فهناك ضميرٌ سليم معافى ومن علاماته أنّهُ يوجّهُ صاحبه دائماً إلى الخير، ويصرفه عن الشر، وصاحب هذا الضمير تراه دائماً هادئاً مطمئناً، كما نقرأ في القرآن الكريم:{يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي} [سورة الفجر:30].

أما الضمير المريض فصاحبه يقع في الخطأ، ويُصيبُ أحياناً، فإذا أصاب حمد الله وإن أخطأ لام نفسه وأنّبها؛ إنَّهُ صاحب ضميرٍ مريض ولكنَّه حي؛ والضمير الحي قد لا يمنع صاحبه من ارتكاب الخطأ ولكنَّهُ حتماً يمنعه من الاستمتاع به.

وأما الضمير الميت، فنرى صاحبه يسلُكُ سبيل المكائد، والشرور والأذى ويُصاب بانشراح لما يفعل، وتراه يميلُ للضلال والسلوك الخاطئ؛ يبني سعادته على حُطام الآخرين، ولا يرى مانعاً في الوصول لغايته ولو على جماجم البشر، وهذا الشخص أضل من الحيوان لأن الحيوان لا ضمير له؛ ونقرأ صفته في القرآن الكريم في قوله تعالى:{ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [سورة الأعراف: 179]. وإذا كان الضمير الميّت يطبع صاحبهُ بطابع الغفلة فإنَّ العلاج الأنجع لهذه الغفلة هو التذكّر والتفكّر والعودة إلى جذور الإنسان الفطريّة يقول ربنا تبارك وتعالى في القرآن الكريم: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [سورة الأعراف:200]، فالاستعاذة بالله تعالى هي العودة إليه سبحانه والاحتماء به من وسوسات الشياطين فهي عملية إنعاش للضمير وإعادة البوصلة إلى وجهتها الحقيقية وفي ذلك يقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [سورة الأعراف:201].إنّ من يريد العودة بضميره إلى فطرة الله التي فطر الناس عليها عليه أن يعلم أن قوّته مهما بلغت فهي ضعف أمام قوة الله سبحانه؛ ومهما استطاع أن يملُك أو يسيطر فإن الله أكبر منه؛ عليه أن يتذكّر دائماً قدرة الله سبحانه.

الضمير هو الراحة الدائمة، والوسادة الناعمة، والشعلة المتّقدة، والهمّة المُتجددة، وهو الطريق الآمن، والخير الكامن، صوت الحقائق وروح الدقائق؛ الضمير عدوّ الفاسدين ومحبوب الزاهدين.

ونحن في هذه الأيام ما أحوجنا إلى ذوي الضمائر الحية لنبني وطننا بعيداً عن الفساد والفاسدين.

حلب
الفئة: 
الكاتب: 
الشيخ الدكتور ربيع حسن كوكة