أخطاء الماضي يحصدها الحاضر .. جميع مناطق المخالفات مشكوك بسلامتها

حلب ـ رضا الأحمد
المقدمات بنتائجها والواقع خير دليل على غياب العقل التخطيطي عن حاضرة الزمن .فحلب المدينة التي تعيش أزمتين، تتمثل بإشادة ثلاث وعشرين منطقة مخالفات، والثانية ما تعيشه الآن من خطر الأبنية الآيلة للسقوط التي أشغلت الجهات المعنية بين حلب ودمشق وأقلقت آلاف المواطنين القاطنين في مناطق المخالفات والإجراءات للحفاظ على الأرواح حالة حاضرة. شكل انهيار المبنى الواقع في حي الأنصاري قرب جامع الناصر مؤشراً بوجود مئات المنازل الخطرة إن لم نقل الآلاف والتي يجب العمل على هدمها بالسرعة الكلية، ووفقاً لتقارير لجنة السلامة العامة، وقبل الدخول في التفاصيل نتوقف عند بعض مما جاء في التقرير المنظم من قبل اللجنة حول الأسباب المؤدية لانهيار المبنى.
تقرير لجنة السلامة العامة
بين التقرير أن البناء تم تشييده منذ أواخر القرن الماضي وهو عبارة عن بيت عربي جدرانه من مادة الحجر المشغول (حجر اللبن) بسماكة عشرين سنتيمتر وسقفه عبارة عن بلاطة بيتونية دون وجود قبو أسفله وبخبرة معلم مهنة ودون ترخيص أصولي أو دراسة هندسية وبعد عدة سنوات تم بناء خمسة طوابق فوق الطابق الأرضي مخالفة للأنظمة و الشروط الفنية الهندسية المعمول بها في حينه. جملتها الإنشائية عبارة عن جدران من مادة البلوك الاسمنتي دون وجود أية أعمدة وجيزان بيتونية رابطة ضمن هذه الطوابق المضافة. وكان لتعديل فروقات المناسيب لغرف سطح البيت العربي سبب في زيارة الحمولات وبالتالي الاجهادات الضاغطة على الجدران الحمالة. كما بين التقرير وجود تصدعات سابقة قبل الأزمة ومعالجتها بطرق عشوائية. المبنى بالأصل غير محقق للشروط الهندسية والفنية وبالتالي لا يقاوم أية حركات اهتزازية.
أسباب الانهيار
وخلص التقرير إلى أن أسباب الانهيار تعود لزيادة الحمولات الشاقولية وسوء أعمال التنفيذ مما أدى لانحراف في مسار الأحمال، إضافة إلى الحركة الاهتزازية التي تعرض لها المبنى أدى ذلك إلى تخلخل الجملة الإنشائية وتصدعها، ومجموعة الأسباب أدت لزيادة الاجهادات المطبقة على التربة تحت سطح الأساسات القائمة أسفل الجدران الحجرية للطابق الأرضي عن قيمة الإجهاد المسموح به على نوعية التربة الحاملة.
مناطق المخالفات مشكوك بسلامتها
هذا التقرير الذي أوردنا ملخصه ينسحب على كافة الأبنية في مناطق المخالفات وما يؤكد القول حوارنا مع الدكتور محمد صفو رئيس لجنة السلامة العامة الذي لفت إلى أن معظم مناطق المخالفات بنيت بطريقة عشوائية بعيدة عن الروابط الهندسية وسلامة هذه الأبنية مشكوك بأمرها. وبسؤال عن الواقع قال: لدينا مشكلتان فالأبنية المرخصة أصولاً الضرر فيها قليل لأنها مبنية بشكل هندسي، أما المشكلة الكبرى والأخطر في مناطق المخالفات المبنية بعيداً عن الأسس الهندسية وأعطى أمثلة متعددة منها في منطقة صلاح الدين حيث البناء من ستة إلى ثمانية طوابق من القرميد وفق بنية ضعيفة وأساسات هشة وأيضاً في مناطق عدة منها سوق الفستق، بستان القصر ،وهما مبنيتان على سرير النهر بتربة هشة وأيضا الشعار ،الصالحين ،قاضي عسكر وغيرها. وعن واقع الأبنية الآيلة للسقوط بالشكل العام قال: إن كافة مناطق المخالفات مشكوك بسلامتها الإنشائية كونها مبنية دون أسس هندسية. وعن دور اللجنة ومتى بدأت العمل لسبر الواقع :لفت الدكتور صفو إلى أن اللجنة حاضرة في ساحة العمل ،فكلما تعرض بناء للقصف تذهب للاطلاع على الواقع وتخرج بتقريرها وهذا العمل كان قبل ستة أشهر من تحرير حلب بمتابعات يومية للمناطق التي يمكن الوصول إليها. وأضاف: منذ سنتين واللجنة ترصد الواقع وتعطي التقارير ولكن نتيجة كثافة الأبنية المتضررة شكلت لجان فرعية من قبل المحافظة للبحث عن واقع هذه الأبنية. وعن الحلول أكد صعوبة الحل لمناطق المخالفات إلا بتفريغها وهدمها ،فجميع الأبنية مشكوك بسلامتها. هذا ما جاء في حديث الدكتور صفو .

أما الدكتور مصطفى عنبرجي رئيس اللجنة الفرعية لقطاع مركز المدينة فكان رأيه مشابهاً وأكد على أن الخطورة قائمة في العديد من المناطق ومنها منطقة الكلاسة التي تم سبر معظم أبنيتها من قبل اللجنة وتبين وجود أربعمائة بناء آيل للسقوط ويشكل خطراً على السكان والمارة .
وعن آلية العمل قال: يقوم المجلس بهدم الأبنية وفقا للتقارير المقدمة من قبل اللجنة والبالغة ستمئة تقرير حتى الآن، تم إخلاء أكثر من خمسة عشر بناء وهدمه والعمل جار بالتعاون بين مجلس المدينة والشركة العامة للطرق والجسور وأقسام الشرطة واللجنة الفرعية.
آراء أخرى تقول حوالي ألف بناء آيل للسقوط حالياً
على هامش اجتماع الجلسة الاستثنائية لمجلس المدينة بعد انهيار المبنى في حي صلاح الدين الذي أعلن مخاوف المعنيين لحالات مفاجأة أخرى لينطلق العمل بقوة لأكثر من ست مناطق متمثلة بحي الشعار، قاضي عسكر ،الصالحين، صلاح الدين، سد اللوز، وبستان القصر والتي أفرزت الكشوف والاحصاءات وجود حوالي تسعمئة وأربعين بناء آيل للسقوط وفق مداخلات المجتمعين. أما آراء المختصين الذين رفضوا ذكر اسمهم فقد أكدوا على وجود أكثر من عشرة آلاف بناء آيل للسقوط، فأين الحلول؟ ؟؟ المحافظة ومجلس المدينة تتسارعان في تقديم الحلول للحفاظ على أرواح المواطنين ولكن المشكلة أكبر فقادمات الأيام هي الحكم، والأجدى أن يتم اخلائها من السكان والعمل وفق منظومات متكاملة بحضور لجان مركزية تبحث في الحلول السريعة للخروج من هذه الأزمة الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية.
رأي القاطنين
من خلال متابعتنا مع رؤساء القطاعات التي تتعرض فيها الأبنية لخطر الانهدامات التقينا العديد من الأخوة المواطنين الذين أجمعوا على صعوبة مغادرة منازلهم لعدم الرغبة بترك الحي ،والبعض الآخر غير مقتنع بخطورة الواقع وآخرين لم يكن لديهم مشكلة في الخروج من الأبنية فيما لو توفر البديل. وما يلفت النظر الواقع المزري لهؤلاء المواطنين والفقر الذي يرتسم على وجوههم بألوان الأمراض المتعددة وهموم لقمة العيش.
في المقلب الآخر
قلنا في بداية الحديث المقدمات بنتائجها وما نراه ما خرج عنه المعنيون في مدينة حلب منذ عقود مضت في اتساع رقعة المخالفات نتيجة التزايد السكاني وتشييد آلاف المعامل والمصانع التي ترافق معها الهجرة من الريف إلى المدينة للعمل مما أدى إلى البحث عن مأوى لتصل الطوابق المبنية في المناطق العشوائية لأبراج سكنية دون ضوابط قانونية، هندسية، وأخلاقية. فهل تأخير إصدار المخططات التنظيمية لتوفير قطع أراض معدة للبناء تضبط حركة البناء هو السبب .. أم هو في مركزية القرار وروتينه المعقد الذي يترك المسائل الهامة تتأرجح بين مجالس المدن والوزارات المختصة.. أم هي مسؤولية جميع من تعاقب على تشييد مناطق المخالفات دون استثناء بدءاً من مجالس المدن المتعاقبين آنذاك انتهاء بالمؤسسات الخدمية؟
ونذكر هنا بمسؤولية المواطن بشراء منزل غير مرخص أصولاً وبعلم ورغبة وتهافت على المنطقة المخالفة، ونرى أن يكون الحل مركزي وليس محلي بين كافة الجهات المعنية للوصول إلى حلول حول الواقع القائم.
رقم العدد 15584