الجماهير في عيد الأم ... تقلب صفحات من حياة أمهات كافحن فكنّ مناضلات

الجماهير - أسماء خيرو
ماخلقت إلا لأحملهم على أكف الفرح، وأزهو بهم، فبسمة أطفالي هي الربيع، هي ارتعاشة الندى، وموجة دفء إذا اعتراني البرد والصقيع.. هذه مرادفات لكلمات فاض بها قلب السيدة أم محمد بلهجتها العامية، وهي تتحدث بحب لا يوصف عن أولادها الثمانية الذين غيب الموت والدهم، وكانوا هم في عمر الورد. وتضيف السيدة أم محمد : كان زوجي رحمه الله يعمل خبازأ كنت حينها في عمر الثلاثين ، توفي فجأة بأزمة قلبية، وترك لي أطفاله الثمانية، أكبرهم في عمر العاشرة.. حينها شعرت بأن قلبي يتمزق وبدأت أفكر ماذا أفعل؟ ماذا أعمل؟ من الذي سيربي أطفالي ؟ هل أنا قادرة على تحمل مسؤولية ثمانية أطفال ؟! ضاقت بي الدنيا حتى تمنيت الموت كنت دائماً ألوم الحظ وأعاتبه لماذا أنا؟! ولكن عندما كنت أنظر في عيونهم تتلاشى كل تلك الأسئلة، وكأنها لم تكن. وفي يوم قررت أن أصارع الظروف وأقف في وجه الحياة القاسية فبحثت عن عمل. كنت أسأل كل إنسان أقابله عن عمل مناسب لي، كوني لم أتعلم، ولم أحصل على شهادة جامعية، وليس بيدي أية صنعة أو مهنة، إلى أن اقترحت علي إحدى جاراتي أن أعمل في مجال التنظيف، وبالفعل عرفتني إلى عائلات يرغبن بأن أقوم بالعمل لديهن، وها أنا اليوم، وبعد مرور ثلاثين عاماً مازلت أعمل، وربيت أبنائي أحسن تربية، معظمهم أصبح لديهم بيوت وأعمال خاصة بهم، واليوم أصبحت جدة، ولي الكثير من الأحفاد وإن عاد بي الزمان وتطلب مني أن أكافح لأجلهم، نعم سأكافح ولن أتركهم أبداً ...
فيما السيدة منار داية تروي قصة كفاحها فتقول: إنها الحرب أخذت كل شيء حتى زوجي، لم يبق لي شيء سوى محل زوجي الذي أعتاش منه اليوم أنا وأولادي الخمسة. أنا لم أعتد العمل، كانت حياتي كلها تدور حول رعاية الأطفال، والاهتمام بزوجي، ولكن الأقدار شاءت أن ينال زوجي الشهادة منذ عام تقريباً، وهو في ريعان شبابه، فوجدت نفسي وحيدة مع أربع بنات وصبي بعمر السنتين. اليأس غلف قلبي وأصبحت متعبة، وفي حيرة من أمري. في البدء قدم أهلي يد المساعدة لي، ولكن كان علي أن أتحمل المسؤولية، وأكافح كي أربي أطفالي. تحدثت مع الحياة وأخبرتها أن لا تنتظر رضوخي واستسلامي، لذلك واظبت على تعلم مهنة زوجي الشهيد والتي كانت بيع الألبسة الجاهزة، فتعلمت مسك الدفاتر والحسابات والتعامل مع التجار، واليوم أصبحت أنا الأم والأب، وعلى الرغم من أني تخليت عن التمتع بكل امتيازات الحياة الاجتماعية السابقة التي كنت أنعم بها، إلا أني اليوم سعيدة بالحياة العملية إلى أبعد حدود السعادة. وكل يوم يمر يزيدني العمل إصراراً على تحمل المسؤولية التي ألقيت على عاتقي، وسأظل أضحي من أجل أولادي كل ثروتي إلى آخر يوم في حياتي.
والسيدة زهرة والي "أم نادر" التي جثا على قلبها غمام من وجع الفراق ممزوجاً بالفخر والكبرياء تقول: كانت البداية صعبة جداً، وضعنا المادي كان في الحضيض. عملت إلى جانب زوجي الذي كان يعمل موظفاً في الخياطة، وقهرنا الظروف القاسية بالصبر والتعاون على تربية الأطفال، إلى أن مات وتركني وحيدة مع ولدين وبنت، فتابعت عملي في الخياطة إلى أن أصبح أولادي شباباً، ابني محمد تزوج وأصبح لديه طفلة، وابنتي هبة مازالت تدرس في الجامعة، أما ابني نادر الذي تخرج في معهد الكمبيوتر، فقد التحق بالجيش..
وبرجفان الحروف وبكاء الجمل أكملت قائلة: لقد استشهد منذ أربع سنوات، وأنا إلى اليوم مازلت أنظر إلى الهاتف لعله يرن لأتحدث مع ابني الذي رحل شهيداً وليقول لي كل عام وأنت بألف خير، فأجيبه ماذا تشتهي ياروح أمك حتى أطبخ لك؟! ..مضيفة: أعلم أن هذا لن يتحقق، ولكن مازال يسكن القلب، ولن يبرح قلبي..(مشيرة إلي بيدها) يوماً ما ستصبحين أماً وينتابك هذا الشعور الذي لايمكن أن تشعر به إلا الأم، والله يصبر كل أم فارقت عزيزا لها ..
وختاماً..
وبعد أن قلبنا القليل من صفحات حياة أمهات من حلب افتدين بعمرهن الوحيد الحياة، فكنّ نوافذ مشرقة لأولادهن واللاتي توجد منهن في حياتنا الواقعية الكثير الكثير، نقول: لمن تحيا الحياة بعيون أطفالها ليس هناك كلام ولاعبارات ولا أقوال ممكن أن تفي حقك وتعبر عن تضحياتك وكفاحك. فليس هناك شيء في الوجود يفوق نافذة قلبك الحنون التي يضيء منها شعاع روحك الراقية لتحيا الحياة وتحلو الحياة.. وكل عام وكل أم بألف خير، والرحمة والمغفرة لكل أم غادرت الدنيا.
رقم العدد ١٥٩٨٧