تداعيات كورونا على عقود الإيجار في القانون السوري

الجماهير - بقلم القاضي خالد نايف حاج سليمان *

يتساءل الكثيرون في هذا الوقت عن الآثار القانونية لعقود إيجار المحلات التي أغلقت نتيجة الإجراءات التي اتخذها الفريق الحكومي لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد.
ونرى أن هذه المسألة تحكمها عدة نصوص في وقت واحد :
أولاً - نص المادة /542/ من القانون المدني :
[ إذا ترتب على عمل من جهة حكومية في حدود القانون نقص كبير في الانتفاع بالعين المؤجرة، جاز للمستأجر تبعاً للظروف أن يطلب فسخ العقد أو إنقاص الأجرة وله أن يطالب المؤجر بتعويضه إذا كان عمل الجهة الحكومية قد صدر لسبب يكون المؤجر مسؤولاً عنه كل هذا ما لم يقضِ الاتفاق بغيره ].
ولا شك أن قيام الإدارة بفرض إجراءات لمنع انتشار جائحة الكورونا لمدة معينة هو عمل حكومي قد صدر في حدود القانون.
فهو تعرض مبني على سبب قانوني ويكون للمستأجر هنا طلب الفسخ أو إنقاص الأجرة والمحكمة هنا هي من تقرر إما الفسخ إذا كان المستأجر لم يتعاقد لولا المدة التي حرم من الانتفاع بها أو يكتفي بإنقاص الأجرة بشرط أن يكون نقص الانتفاع على قدر من الأهمية.
أما إذا كان غير ذلك فقد لا تستجيب المحكمة لأي من طلباته.
- ولا شك أن التزام المؤجر هنا يقوم على تحمل التبعية لا الضمان.
ويجوز الاتفاق على خلافه إما تخفيفاً أو تشديداً أو إعفاء.
- وهذه المادة لا تشترط أن يكون عمل جهة الحكومة غير متوقع وغير ممكن الدفع وغير ذلك من شروط القوة القاهرة لأن حق المستأجر في الرجوع على المؤجر وفق التزامه بتحمل التبعة.
وبالتالي من أبرم عقد إيجار بعد انتشار جائحة كورونا في الصين وقبل انتشاره في سورية أو في مدينة دون أخرى.
فتنطبق عليه هذه المادة ويحق له الاستفادة من أثرها ويبقى التزام المؤجر التزام بتحمل التبعة لا ضمان.
ثانياً - المادة /537/ قانون مدني الفقرة /2/ :
[ 2- أما إذا كان هلاك العين جزئياً أو إذا أصبحت العين في حالة لا تصح معها للانتفاع الذي أجرت من أجله، أو نقص هذا الانتفاع نقصا كبيراً ولم يكن للمستأجر يد في شيء من ذلك فيجوز له، إذا لم يقم المؤجر في ميعاد مناسب بإعادة العين في الحالة التي كانت عليها أن يطلب تبعاً للظروف إما إنقاص الأجرة أو فسخ الإيجار ذاته دون إخلال بما له من حق في أن يقوم بنفسه بتنفيذ التزام المؤجر وفقاً لأحكام المادة السابقة.
3- ولا يجوز للمستأجر أن يطلب تعويضاً إذا كان الهلاك أو التلف يرجع إلى سبب لا يد للمؤجر فيه ].
فهنا أمام المستأجر عدة خيارات إما التنفيذ العيني وهو أمر مستحيل فالمدة انقضت وإغلاق المحل قد تم ولا يمكن إعادة الزمن للوراء فله اللجوء لأحد الخيارين دون التعويض إما فسخ العقد أو إنقاص الأجرة ويطلب ذلك من المحكمة ما لم يوجد اتفاق بوقوعه دون حاجة لحكم وحكم المحكمة يصدر كاشف من تاريخ حصول الإخلال بالانتفاع وتنفيذ ذلك مقيد بأمر وهو أن يكون النقص كبير لدرجة أنه قد أخل بالانتفاع والقاضي هو الذي يقدر هذا النقصان ومداه ما لم يقضِ الاتفاق بغيره.
ثالثاً - العذر الطارئ في عقد الإيجار كأحد تطبيقات نظرية الظروف الطارئة في القواعد العامة :
حيث نصت المادة /575/ قانون مدني :
[ إذا كان الإيجار معين المدة جاز لكل من المتعاقدين أن يطلب إنهاء العقد قبل انقضاء مدته إذا جدت ظروف خطيرة غير متوقعة من شأنها أن تجعل تنفيذ الإيجار من مبدأ الأمر أو في أثناء سريانه مرهقاً على أن يراعى من يطلب إنهاء العقد مواعيد التنبيه بالإخلاء المبينة بالمادة /531/ وعلى أن يعوض الطرف الآخر تعويضاً عادلاً فإذا كان المؤجر هو الذي يطلب إنهاء العقد فلا يجبر المستأجرون على رد العين المؤجرة حتى يستوفي التعويض أو يحصل على تأمين كافٍ ].
- فهذه المادة ولو أنه جرى العمل على تطبيقها في حالات العذر الطارئ الشخصي بأحد المتعاقدين إلا أنه لا مانع قانوني من تطبيقها إذا جدت ظروف خطرة عامة أم شخصية فالمهم أن تكون تلك الظروف لا يستطاع دفعها وغير متوقعة.
- لكن هذه المادة تنطبق فقط في العقود المحددة المدة ويشترط في تطبيقها التنبيه على المتعاقد الآخر والحصول على تعويض عادل.
وأثر العذر الطارئ هو إنهاء العقد كمن يستأجر محل لمدة شهرين وصدرت بعد انعقاده القرارات الحكومية بحظر التجوال وإغلاق المحلات لمدة شهرين.
رابعاً : الظروف الاستثنائية :
ونصت عليها المادة /148/ قانون مدني :
[ إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي وإن لم يصبح مستحيلاً صار مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة.
جاز للقاضي تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن يرد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول ويقع باطلاً كل اتفاق على خلاف ذلك ].
ومثال هذا النص المستأجر لمحل تجاري لمدة شهرين لأجل بيع بضاعة تتلف بسرعة أو يجب بيعها خلال مدة قصيرة وإلا لم تعد رائجة فهنا توافرت شرائط تطبيق هذا النص فالإجراءات الوقائية لمنع تفشي الفيروس لا يمكن توقعها أو دفعها وإضافة لذلك إن عقد الإيجار من عقود المدة المتراخية التنفيذ.
بشرط أن يصبح التزام المدين مؤجر أم مستأجر مرهقاً بحيث يهدده بخسارة فادحة.
والأثر المترتب على ذلك أن للقاضي وفق سلطته التقديرية ما دون فسخ العقد أن يوقف تنفيذ عقد الإيجار إذا كان الظرف مؤقت إذا لم يكن يصيب المؤجر من ذلك ضرر جسيم فلا يدفع المستأجر الأجرة.
أو إنقاص الالتزام المرهق بإنقاص الأجرة أما زيادة الالتزام المقابل فغير ممكن في حالتنا.
خامساً - القوة القاهرة :
نصت عليها المواد /160-216-371/ قانون مدني :
م/160/ : [ في العقود الملزمة للجانبين إذا انقضى التزام بسبب استحالة تنفيذه انقضت معه الالتزامات المقابلة له وينفسخ العقد من تلقاء نفسه ].
م/216/ : [ إذا استحال على المدين أن ينفذ الالتزام عيناً حكم عليه بالتعويض لعدم الوفاء بالتزامه ما لم يثبت استحالة التنفيذ قد نشأت عن سبب أجنبي لا يد له فيه ويكون الحكم كذلك إذا تأخر المدين في تنفيذ التزامه ].
م/371/ : [ ينقضي الالتزام إذا أثبت المدين أن الوفاء به أصبح مستحيلاً عليه لسبب أجنبي لا يد له فيه ].
فهذه النصوص تتشابه في الحالة محل الدراسة فللمستأجر أن يثبت القوة القاهرة المتمثلة بقرار السلطات بإغلاق محله وعليه يكون التزامه بدفع الأجرة أو التزام المؤجر بتمكين المستأجر من الانتفاع قد انقضى وانقضى الالتزام المقابل وهو دفع الأجرة.
والاستحالة قد تكون جريئة أو كاملة وهذا لا يمنع من تطبيق آثارها.
وفي الختام فإن إعمال أي من النصوص السابقة التي تنشأ به في آثارها وتختلف في شروطها يقع ضمن السلطة التقديرية للقاضي مستهدياً بذلك بوقائع الدعوى وروح العدالة.
* قاضي محكمة صلح الجزاء السادسة في حلب.
رقم العدد ١٦٠١٨