36 حالة انتحار في حلب .... أغلبها بين كبار السن .. من أسبابها الخيانة على وسائل التواصل الاجتماعي و الحرب والأزمات الناتجة عنها..ضرورة رفع الوصمة عن الأمراض النفسية

 

الجماهير - تحقيق هنادي عيسى

لوحظ في السنوات الأخيرة ازدياد في حالات الانتحار في سوريا وذلك قد يكون بسبب ما تعرضت له البلاد من حرب ظالمة وما نتج عنها من أزمات اقتصادية وأخلاقية ونفسية واجتماعية

حيث بين رئيس الطبابة الشرعية في سورية الدكتور زاهر حجو أنه لا يوجد إحصائيات موثقة لعدد المنتحرين في سورية سوى لعامي 2019 -2020 ففي عام 2019 بلغت حالات الانتحار (124) حالة توزعت بين 76 حالة انتحار لذكور و 48 حالة انتحار لإناث ومنهم 13 ذكور و14 إناث لقصر تحت سن البلوغ في حين بلغ عدد حالات الانتحار لعا م 2020 (197) حالة منها 135 ذكور و 62 إناث من بينهم 24 حالة انتحار لقصر( تحت سن البلوغ ) يضيف الدكتور حجو أن هذه الحالات توزعت على عشر محافظات كان لـ حلب و ريف دمشق الحصة الأكبر بينهم .

· ازدياد في عدد حالات الانتحار في مدينة حلب

من جانبه رئيس الطبابة الشرعية في حلب الدكتور هاشم شلاش بين أنه خلال عام 2020 حدثت في حلب 36 حالة انتحار بزيادة 11 حالة عن عام 2019 , الشنق برباط 13 حالة – مبيد حشري 11حالة – طلق ناري 3حالات – تسمم دوائي حالة واحدة – حروق حالة واحدة – سقوط 7 حالات

حيث توزعت حالات الانتحار شنقا والتي تبلغ 13 حالة بين 7 أطفال تحت سن 18 عاما , وحالتان لإناث بأعمار 22و25 عام , وأربع حالات لذكور بأعمار (28- 52 -59 -75 ) عام , بينما توزعت حالات الانتحار بـ مبيد حشري والتي تبلغ 11 حالة على 3 أطفال بأعمار (13 – 17 – 18 ) نساء 3 حالات (20 -23 -25 ) عام و5 حالات لذكور (30 – 42- 30 – 43 – 89 عام ) أما حالات السقوط والبالغ عددها 7 توزعت على 3 ذكور (24 – 63 – 77 عاما ) 2 إناث (54 – 86عاما ) و أطفال عدد 2 بأعمار 12- 16 عام ) أما حالات التسمم الدوائي والحروق والتي بلغت اثنان واحدة لكل منهما وبعمر 27 عام

يضيف شلاش انه من خلال هذه الإحصائية نلاحظ أن هناك حالات انتحار لأشخاص متقدمة في العمر وذلك بسبب ظروف الوحدة التي يعانون منها ,و هجر أبنائهم لهم وفقدانهم للرعاية الصحية والاجتماعية إضافة للتوتر والاكتئاب وحالة نفسية صعبة كما أكد أن الانتحار أمر مؤلم للمجتمع ويؤثر بالطبيب الشرعي خاصة عندما يرى ازدياد في حالات الانتحار لأعمار شابة صغيرة كما أن الوضع الاقتصادي والمادي يلعب دور في هذا الموضوع و طالب شلاش بتأمين رعاية للمسنين سواء رعاية اجتماعية أو صحية أو نفسية , تحسين الوضع المعيشي , توعية للأطفال وتفعيل دور المنظمات الحكومية والأهلية في هذا الموضوع

· الانتحار هو فقدان الأمل بالحياة

ندى مواس دكتورة علم الاجتماع في جامعة حلب :أن ارتفاع نسبة الانتحار في مدينة حلب يأتي كون مدينة حلب كان لها الحصة الأكبر من المآسي خلال الحرب التي تعرضت لها البلاد وكون مدينة حلب تحتوي على سلة اقتصادية تجارية كبيرة فيغلب على أغلب العلاقات الإنسانية فيها الطابع المادي وإذا تعرض الإنسان لازمة في الحالة المالية فهو اقرب لان يتعامل مع الحياة على أنها سلعة .

وترى مواس أن حلب أخذت الحصة الأكبر من الدمار في سوريا على اعتبار أنها ثاني اكبر كتلة بشرية في سوريا وإذا كان هناك ظاهرة منتشرة فنسبتها ستكون اكبر في حلب وبحسب دوركهايم هذا مبرر لانتشار حالة اللامعيارية أو الانومي (انتشار حالة الفوضى العارمة في المكان) وهي ترافق الهزات والاضطرابات والحركات الاجتماعية العنيفة .

· الخيانة التي أصبحت على وسائل التواصل الاجتماعي

مضيفة : فالاضطرابات النفسية نتيجة الحرب تجعل الإنسان ينهي حياته وتخلق حالة من النكران ( نكران الذات – نكران الواقع ) أيضا الخيانات قد تكون سبب من أسباب الانتحار فالخيانة التي أصبحت على وسائل التواصل الاجتماعي – الابتزاز –الاستغلال المادي إضافة للألعاب الالكترونية و غياب الخطاب الديني الفعال كلها أسباب قد تؤدي إلى الانتحار كما ترى مواس أن هناك منظومة أخلاقية تدمر لذلك نحن بحاجة لتوجيه قيمي عالي المستوى والى خطاب ديني فعال يعمل ويوجه بطرق سليمة أيضا نحتاج إلى إعادة بناء فكر جديد وإعادة بناء وتأهيل هذا الجيل وجعله يتقبل نفسه ,وبحاجة أيضا إلى دعم نفسي ودورات توعية توجيهية للأهل وللأولاد أيضا بحاجة إلى تفعيل دور الإعلام من خلال المحاضرات والندوات على التلفاز وجميع القنوات الإعلامية

· المنتحرون ليسوا دائما نفسيون

أخصائي الطب النفسي ورئيس دارة التدريب والتأهيل في الهيئة العامة لمشى ابن خلدون الدكتور خالد قولي يقول : في علم النفس المنتحرون ليسوا دائما نفسيون ولكن غالبا وبحسب أخر الدراسات اغلب المنتحرون لديهم مرض نفسي إذ يشتكي أكثر ضحايا الانتحار من مرض نفسي والسبب الأكثر شيوعا هو اضطراب المزاج (الاكتئاب ) حيث يشكل الاكتئاب 15 % من أسباب الانتحار إذ يعتبر الاكتئاب هو العامل الأساسي النفسي في الانتحار يأتي بعده الكحولية والانفصام .

· الحرب والأزمات الناتجة عنها

يضيف الدكتور قولي أن الحرب والأزمات الناتجة عنها سببت الكثير من حالات الانتحار بسبب ( فقد الأهل – تشتت العائلات – فقد أحد الوالدين غالبا الأب بسبب الحرب – تدني المستوى المعيشي الناتج عن الحرب – تخريب المنظومات الاجتماعية – تدني المستوى الأخلاقي في ظل انعدام المقدرة الاقتصادية والتعليمية بسبب الحرب – غياب الوازع الديني سواء كان مسيحي أو إسلامي بسبب اضطراب المفاهيم الدينية إذ أصبح الدين في اللاوعي الجمعي تمثله جماعات متطرفة لا تمت إليه بصلة وإنما تستغله لأغراض دنيئة وأصبحت هذه الجماعات في اللاوعي الجمعي هي مثال الدين والمتدينين مما ابعد الكثير من الناس البسطاء عن أي التزام ديني والذي كان يشكل صمام أمان يمنع من توفرت لديه الظروف المناسبة للانتحار من العبور إلى الفعل أيضا انتشار العنف في المناطق التي احتلتها العصابات الإرهابية وتعرض الأطفال لمشاهد عنيفة من (رجم –قطع رؤوس – ذبح رقاب – قتل الابن لأبويه ) وتداول هذه القصص على لسان الناس أدى لارتفاع المشاهد الدموية وارتفاع مستوى العنف ليصبح أمرا مقبولا .

· فقدان المثل الأعلى

أما الانتحار عند المراهقين فمن المعروف أن المراهق يتصف بالاندفاعية بدون اضطراب نفسي كما أن تأثر المراهق بفقد العلاقات الحميمة يكون بشكل شديد ( فقد الأب – الأم - الأخ )وفقدان المثل الأعلى بالإضافة لضغط العمل الذي جبر عليه المراهقون بسبب الحرب والأزمات وفقدان التعليم بسبب العمل وغياب دور المدرسة في بناء شخصية الفرد المراهق وغياب منظمة الأسرة وفقدان المنظومة الاجتماعية وتأثير الألعاب الالكترونية مثل لعبة (الحوت الأزرق ولعبة مريم ) إضافة إلى التمييز بين الأقران في سن المراهقة كما أن القيمة الاجتماعية المتدنية للأنثى في المجتمعات المتخلفة وما تتعرض له الأنثى من تعنيف بأشكال مختلفة قد يكون عامل من عوامل الانتحار

· الوحدة وفقدان العلاقات الحميمة

أما عند كبار السن فيأتي الانتحار نتيجة اليأس الإحباط فقدان الأمل بالمستقبل فمثلا(يقارن الشخص الكبير بالسن بين المرحلة التي يعيشها حاليا ومرحلة ما قبل الحرب ويقول في نفسه هل ستعود الحياة كما كانت قبل وهل سأعيش لأراها ) أيضا ,الوحدة وفقدان العلاقات الحميمة ( فقدان ابن- زوجة -أخ ) إذ أن المادة لا تغني عن العواطف , الإصابة بالزهايمر العتاهية والخرف الشيخي إضافة لوجود أمراض مزمنة .

· رفع الوصمة عن الأمراض النفسية

وللحد من هذه الظاهرة يرى الدكتور قولي أن رفع الوصمة عن الأمراض النفسية مهم جدا لكي يزداد اهتمام المواطنين بهذا الطيف من الأمراض ويزول الخجل من علاجها قبل تفاقمها لان الطب النفسي قد يمنع الانتحار , إضافة لتحسين المستوى المعيشي والعناية بالتربية والتعليم بالمدارس العامة لبناء شخصية الفرد خاصة في مرحلة المراهقة كما يجب على الدولة والمنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المحلي أن تقوم بمهمتها على أكمل وجه والتي تتمثل في التثقيف الاجتماعي والديني والتثقيف العلمي بالصحة النفسية و إقامة محاضرات وندوات توعية .

· ماذا يقول الدين في موضوع الانتحار

مفتي حلب الدكتور محمود عكام أوضح أن الدين الحنيف عد الانتحار جريمة تصل فظاعتها إلى حد الكفر والشرك ففي الحديث الشريف ( من قتل نفسه بحديده فحديدته في يده يتوجا بها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا , ومن شرب سما فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا , ومن تردى من حبل فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ) والله تعالى أصلا قال ( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) ويضيف الدكتور عكام لا يصح القول هنا أن الإنسان حر يفعل بنفسه مايريد , لان حرية الإنسان في أرائه وأفعاله وأقواله التي لا تتعدى على حرمات الآخرين وممتلكاتهم , والمنتحر متعد في فعله على ملك الأخر لان الذي يملك الإنسان جسما ونفسا وروحا هو الله جل شانه .

يتابع عكام وان قيل أن الدافع كان يأسا أو قنوطا أو ما شابه قلنا أن المنتحر فقد الإيمان بالله ولم يعد يلتفت إلى كلامه أو أحكامه حين قال ( انه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرين )وأيضا ( سيجعل الله بعد عسر يسرا ) ثم أن القران الكريم يقول وبشكل صريح ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وفسر الإلقاء إلى التهلكة بالقنوط واليأس , وبحسب عكام المنتحر ارتكب بفعلته جريمتين اثنتين هما عدم الرضا بقضاء الله وقدره والتعدي على ملك الأخر, كما ناشد المفتي عكام أولئك الذين عضتهم الحياة بنابها وتزاحمت الهموم عليهم وعلى أفئدتهم وقلوبهم أن يتفاءلوا بالإيمان بالله مفرج الهم وكاشف الغم ملتجئين إلى ربهم بالليل والنهار ورضي الله عن الإمام علي أمير المؤمنين إذ قال :

إذا ضاقت بك الأحوال يوما .... فثق بالواحد الفرد العلي

ولا تجزع إذا ما ناب خطب .... فكم لله من لطف خفي

ولا يختلف الدين المسيحي عن الدين الإسلامي في تجريم الانتحار إذ بين القس إبراهيم نصير رئيس الكنيسة الإنجيلية في حلب أن الانتحار بمفهوم الكنيسة وعبر الموروث الروحي طويل الأمد هو خطيئة بكل ما تعنيه الكلمة , إذ تقول الكلمة المقدسة ( أتيت لكي يكون لكم حياة وليكن لكم أفضل ) وإذا كان السيد المسيح قال أنني أتيت لكي يكون للإنسان حياة فذلك يعني أن الانتحار هو عكس إرادة الله وعكس ما يتمناه الخالق للجنس البشري هذا أولا كذلك يقول الكتاب المقدس ( به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان فيه كانت الحياة والحياة كانت نور للناس ) إذا من هذا المنطلق وهذه المنهجية الانتحار هو خطيئة بالمطلق وبالتالي الكنيسة هي ليست في إطار أن تحاسب أو تدين أو أن تفعل ولكن هي في إطار أن تقوم بجهود جبارة لوضع حد لمعاناة الانتحار وفي البعد الصحي الفكري الانتحار هو ليس فقط خطية بل للقيام بأي شيء أخر هو مرض نفسي ومعظم الأحيان الانتحار يأتي نتيجة اليأس و الإحباط أو بحسب الحدود الإمكانية وبالتالي أسهل الحلول هو الانتحار والمنتحر هو شخص ضعيف ضعيف فكريا روحيا اجتماعيا لأجل ذلك انظر كقيادي يخدم في إطار الكنيسة أن الكنيسة وجميع المنظمات مدعوة لوضع حد للانتحار في إطار إعادة الرجاء والأمل للناس و لحياة الناس .

رقم العدد 16319