من القلب

معالم الكرامة في الفكر العربي للدكتور عادل العوا

شخصيتان محوريتان وسمتا الفكر العربي في القرن العشرين بمياسم من نور وتركتا بصمات عميقة في العقول المشرئبة إلى الفكر الحديث مع إصرار مكين على التمسك بأبجديات التنوير باعتبارها الأرض الخصبة لإنبات حقول التحضر ورسم صورة المستقبل الموعود ، الشخصية الأولى : المفكر العربي الجزائري مالك بن نبي الذي قدم الإسلام الحضاري للغرب والشرق باللغة الفرنسية محققاً قفزة ريادية في هذا الميدان ولكن لسوء الحظ لم يتابع برنامجه أحد حسب اطلاعي المتواضع .

الخِدَاع والمُخادِعون

يقول المتنبي في قصيدةٍ له:

ولما صار ودُّ الناسِ خِبّاً.. جَزَيْتُ على ابتسامٍ بابتسامِ

وصرتُ أشكُّ فيمنْ أصطَفيهِ.. لعلمي إنّه بعض الأنامِ

وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً...كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ

تساؤلات تحتضن إجابات

منذ أمد بعيد أطلق الشاعر الفارس عنترة بن شداد مقولته السائرة عبر الأحقاب : (هل غادر الشعراء من متردم) أي إن الأقدمين لم يتركوا لمن جاؤوا بعدهم ما يحمل الجدة وإنما يكررون ما قاله الأسلاف وهذا قول يحمل شيئاً من الصحة ولا يمكن اعتماده إلا في الحد الأدنى ولهذا ترد مقولة الشاعر الجاهلي عنترة كما ترد نظرية وحدة الوجود القائلة (لا جديد تحت الشمس) ففي كل يوم يولد ما هو جديد وعقب كل ليل ونهار ما يمكن قوله وفقاً لمتغيرات الأزمنة والأمكنة كما وفقاً لتغير الأشخاص وتبدل أفكارهم وتطورها ووفقاً لتغير الشعوب والأمم عبر التاريخ .

الحقيقة وتجلياتها بين المظهر والجوهر

نعيش في هذا الكون ونتأمل تقلباته وأحواله وننظر إلى الظاهر فنستحسن ما كان ظاهره حسناً ونستقبحُ ما كان ظاهرهُ قبيحاً، وربما كان هذا الأمر منطقياً بالمجمل؛ غير أنه لا ينبغي أن يكون مطرداً لدى أهل العقول انطلاقاً من قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] .

من أين تبدأ الحداثة ؟

أذكر فيما أذكر إن البارون كارادوفو وهو من المهتمين بالدراسات الشرقية وأحد أعلام الفكر الغربي قال في الكتاب الذي نشره عن الغزالي (أنصح الشباب العربي والإسلامي بالتشبع من الروح العربي قبل التعمق في الفكر الغربي) ، وقال في حديثه عن أسلوب الغزالي بأنه لا تعرف آداب الأمم قديمها وحديثها ما يعادل أدب أبي حامد الغزالي بثرائه ودقته ولطافته ،ومع تقديري للغزالي أظن أن المستشرق كارادوفو غالى بعض الشيء فكتابه (تهافت الفلاسفة) لعله نسي مطارحات علماء الكلام ومنجزات أبي حيان التوحيدي وأبي العلاء المعري وغيرهم  .

الحب ركيزة التطوّر وساحة الإبداع

بدين الحبِّ دانَ العالمينَ...وساروا في دروبِ الحامدينَ

لأن الحبَّ من ربي هُداهُ...بطُهرِ القلبِ صاروا عاشقينَ

كان الحب ولا يزال محرّك الإنسان في هذا الكون؛ وباعثه للاستمرار في الحياة؛ يحفّزه على تحقيق رغباته ويدفعه للسير إلى سائر ما يصبو إليه وقد ورد ذكر الحب في القرآن الكريم مقترناً بثلاثة معانٍ وهي: حب الله وحب الخير وحب الشهوات.

مشروع رؤيوي في خصائص الحضارة ومكوناتها .. 4 ـ مسك الختام

وانطلاقاً من قراءة حيادية للحضارات البشرية سيتضح لكل ذي بصيرة أن محاور الوحي والعلم والعقل والحب من شأنها تقديم الوقود الدائم لعجلة الحضارة أية حضارة لأن المحاور الرباعية الآنفة الذكر تعني:

1- الوحي يعني الإيمان بالله ووحدانيته المطلقة .

2- الإيمان بالتطور الصاعد كخط ناظم للحياة والمجتمعات .

3- الإيمان بالإبداع والابتكار ليس على صعيد العلوم والفلسفات والآداب والفنون فحسب وإنما على صعيد البنى العقلية والروحية والنفسية للفرد والمجتمع .

الرِّفقُ مفتاحُ النجاح

الرّفق ضد العنْف، وهو لِين الجانب ولَطافةُ الفعل، والتأني والنظر في عواقب الأمور، وإذا تأملنا بحروف الرّفق يمكن أن نستنتج من خلالها صفة المرء الذي يتمتَّع بهذا الخُلق العظيم، فراء الرّفق: رأفة ورحمة، وفاؤه فكر وفهم، وقافه قدرة وقُرب، فمن امتلك قلباً رؤوفاً رحيماً، وعقلاً مفكراً فهيماً، ومَلَكَةَ القربِ مع القُدرة فذلك الرّفيق.  

الحب والعمل

السير يومياً من موقف السرافيس عند جسر الرازي إلى مقهى الجميلية ذهاباً في الظهيرة وإياباً في المساء حافل بالصور والمشاهدات واللوحات الحياتية من جهة وبالتفكير في ما آلت إليه الأوضاع في حلب في ظل هذه الأزمة التي تعيشها سورية، والتي ما عرفت مثلها من قبل في تاريخها الموغل في القدم، وهو أيضاً غني بإصرار الحلبي على تلقط رزقه ورزق عياله بدءاً من أصغر بسطة لا تدر على صاحبها سوى النذر اليسير إلى المحلات والبراكات والبسطات الكبيرة التي تكثر فيها الزبائن.

مشروع رؤيوي في خصائص الحضارة ومكوناتها .. 3 ـ إضاءات من التجربة التاريخية

حينما يولد الإنسان الحقيقي تبدأ أزاهير الحضارة بالتفتح إيذاناً بتحولها إلى ثمار ، باعتبار الحضارة حصيلة الإبداع البشري وحصاد الجهد الخلاق ، وهذا يعني أن الحضارة إفراز بشري طوعي محض كما أن العسل إفراز تكويني للنحل نتيجة جهده الدؤوب بامتصاصه رحيق ألف زهرة وزهرة .

هذه مسلمات أولية لا مجال للحوار فيها ما دام العقل منطق والمنطق وضوح والوضوح أصالة وبيان.

الصفحات

اشترك ب RSS - من القلب