حلب تدحض الشائعات بالأدب والطرب 

غالية خوجة..

حلب وأهلها أنموذج لكل سوريا الجديدة بمدنها وضواحيها وأريافها وقُراها لا تحيا إلاّ بالمحبة الموقنة بالله، الصابرة، المتعاضدة، مهما أصابتها المحن عبر الزمن، وكذا الشعب العربي السوري، الطيب بذكاء، الحريص على وحدته ووحدة ترابه المقدس، الموقن بالنور، الصانع للمستقبل، المصرّ على تواجده الهام والضروري في نبضات العالم لأنه قلب العالم.

الحلبية خصوصاً، والسوريون عموماً، وشعوب الأرض، يحبون حلب لأسباب عديدة، أهمها أنها أقدم مدينة مأهولة في العالم، وعمرها يتجاوز (12200) عاماً كما تؤكد اليونسكو التي تعتبرها مدينة تاريخية لأنها تضم أكثر من (150) معلماً أثرياً تاريخياً، بينما اعتبرت اليونسكو مدينة “حلب القديمة” أثرية بالكامل منذ عام (1986)، أي، لا يجوز هدمها أو تغيير معالمها، ومنها الأسواق والقلعة والخانات والأبواب إضافة إلى المساجد والكنائس والمدارس مثل مدرسة الفردوس.

حلب المرحبة دائماً بالعالم، تسترجع ذاكرتها العريقة، وذاكرة اسمها الحالي الذي اكتسبته منذ عام (1800) قبل الميلاد، المذكور في رُقُم مملكة إيبلا، وتستذكر ما حدث لها من زلازل وحروب، مثلما تسترجع الطفولةُ آلامها، والطلبة أوجاعها، وكبار السن والعجائز ألفةَ عوائلهم، والشبابُ والصبايا أحلامهم، مثلما تتناثر جراح الأمهات والآباء مع ما تبقّى من حكايات الأشلاء بين الجدران وأنصافها، والأنقاض وأشباح النباتات المنزلية التي تأبى أن تموت، فلا تقف عند الماضي، بل تتقدم مع الحياة المنسابة رغم الظروف مسترجعة الحضارات والثقافات الشرقية والغربية، وتطل على العالم من موقعها الاستراتيجي الحيوي الهام للعلم والأدب والمعرفة والتبادل الثقافي والفني والاقتصادي والصناعي والتجاري، ولن ينساها طريق الحرير العالمي القديم عندما كان يحطّ رحاله فيها كآخر محطة تُفرح القادمين إليها بنشاطها المتواصل، وقريباً، كآخر محطة لطريق الحرير الجديد.

في هذه المدينة المعطّرة برائحة صابون الغار الحلبي الذي انضم إلى العناصر السورية التراثية الثقافية الأخرى، تصدح القدود الحلبية بين الأزقة والساحات والورشات والمطاعم والمقاهي والمحلات والجلسات الخارجية لأهل الشهباء وهم يغنون: “عيشة لا حب فيها جدول لا ماء فيه”.

 

حلب العراقة تتجدد كعادتها، وتتجذر مع الثقافة والفن والطرب والمسرح والأدب لتتبرعم من جديد، وهذا ما تثبته الفعاليات المتنوعة المقامة، مثلاً، في الجامعة ونقابة الفنانين التشكيليين ودار الكتب الوطنية ومديرية الثقافة ومراكزها وفرع حلب لاتحاد الكتّاب العرب، والملفت استمرار التشاركية بين الجهات الثقافية، والحضور العاكس لمختلف الأجيال، والشوق لانطلاقات جديدة للأمسيات الشعرية والقصصية والفنية والفعاليات القرائية والمطبوعات الورقية ومنها “مجلة الشهباء” التي احتفت بصدور العدد (32) وهو العدد الأول بعد التحرير.

والملفت، أن كل هذه الحيوية الثقافية الواقعية التي لمستُها تدحض الشائعات المغرضة التي تزيّف الواقع، وتفخخه بالظلامية والتخلف والجهل، وتصرّ على الهدم والتفرقة والطائفية والسوداوية، بينما الواقع فينطق بعفوية معبراً عن إيجابيته المتفائلة الهادفة لبناء الإنسان المواطن والوطن.

وليس أخيراً، كلي أمل بأن تنتقل بعض الفعاليات إلى الهواء الطلق في مختلف أرجاء حلب من حدائق ومحيط القلعة والأمكنة المناسبة من المناطق الشعبية لتزداد الجاذبية، ويزداد اكتشاف المواهب، ويتناغم النسيج المجتمعي أكثر مع الثقافة والفنون، وتتحول هذه النشاطات إلى حالات حوارية معرفية تفاعلية.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار