لماذا العدالة الانتقالية في سورية ضرورة ملحة؟

محمد مهنا…
بعد انعقاد مجلس الشعب في دورته الأولى بدأت الآمال تتجدد نحو تحقيق العدالة والقصاص من المجرمين الذين شاركوا النظام البائد وساموا الناس صنوف الآلام والعذابات فالحديث عن الإسراع بتحقيق العدالة وانصاف المظلومين ليس رفاهية تحتمل التأجيل أو تحد يقل أهمية عن التحدي الأمني أو المعاشي ..لأن تحقيق العدالة هو العلاج الضروري لظلم عاشته سوريا ومظالم كثيرة وذكريات مؤلمة كجمر مشتعل تحت الرماد يوشك أن ينفجر بوجه الجميع إذا لم يعالج بحكمة وسرعة.
ولقد كانت لكثير من الدول التي تعرضت لحقبة من الظلم او جرائم الإبادة او التطهير العرقي أو الطائفي تجارب ناجحة في معالجة هذا الملف الشائك والخطير وهي ما اتفق على تسميتها بخطوات العدالة الانتقالية والتي تعد من أهم الآليات التي تعتمدها الدول الخارجة من النزاعات أو الأنظمة الاستبدادية بهدف معالجة انتهاكات حقوق الإنسان وبناء دولة القانون وفي حالتنا السورية تبرز العدالة الانتقالية باعتبارها خطوة أساسية لتحقيق السلام المستدام وإنصاف ضحايا النظام البائد.
تعرف العدالة الانتقالية بأنها مجموعة من الإجراءات القضائية وغير القضائية التي تتخذها الدول لمعالجة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في الماضي بما يضمن تحقيق العدالة وكشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وإصلاح مؤسسات الدولة.
وترتكز العدالة الانتقالية على عدة بنود رئيسية أولها المساءلة القضائية من خلال محاكمة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وفق معايير العدالة وسيادة القانون وثانيها كشف الحقيقة عبر لجان مستقلة تعمل على توثيق الانتهاكات وكشف مصير المفقودين وتوضيح ما جرى للضحايا أما البند الثالث فهو جبر الضرر ويشمل تقديم التعويضات المادية والمعنوية وإعادة الاعتبار للضحايا وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي لهم.
وقد شهد العالم العديد من التجارب الناجحة في تطبيق العدالة الانتقالية ففي جنوب أفريقيا ساهمت لجنة الحقيقة والمصالحة في كشف الانتهاكات التي ارتكبت خلال فترة الفصل العنصري وفي رواندا جمعت بين المحاكم الوطنية والمحاكم المجتمعية لمعالجة آثار الإبادة الجماعية وتحقيق قدر من العدالة كما اعتمدت المغرب هيئة الإنصاف والمصالحة لمعالجة انتهاكات الماضي وتعويض الضحايا بينما نجحت كولومبيا في توظيف العدالة الانتقالية ضمن اتفاق السلام لمعالجة آثار النزاع المسلح.
إن تحقيق العدالة في سوريا هو السبيل الوحيد لالتام جراحات الماضي ولا أقصد هنا نسيان ما قد حدث بل على العكس من ذلك يجب أن توثق هذه الجرائم وتوضع لها القوانين المناسبة التي تجرم منكرها أو من قد يقلل من شأنها كما يحدث اليوم من بعض من هانت عليه كرامته وإنسانيته بمحاولة التقليل من فظاعة جرائم النظام البائد أو محو أثارها أو التعتيم عليها أو إنكارها أو التستر على مرتكبيها..هذا التوثيق يجب أن يحفظ في ذاكرة المجتمع وأجياله القادمة من خلال ذكر انتهاكات النظام البائد ضمن الكتب المدرسية لتبقى الذاكرة حاضرة ولا تضيع جرائم النظام البائد كما حدث في فترة الثمانينات.
العدالة الانتقالية طريق طويل ووعر ويحتاج إلى تعبيد بالقوانين التي تعيد الحقوق لأصحابها وتحقق أهداف السوريين في القصاص العادل قال تعالى “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار