محنة تعقبها منحة

محمد مهنا …

منذ فترة قريبة جمعني مجلس مع عدد من السوريين المهجرين والمهاجرين في بلدان مختلفة فاكتمل عقد الياسمين من كل البقاع وكانت الآراء في ذلك اللقاء مجمعةً على أن سورية تقف أمام منعطف تاريخي قد لا يغير من شأنها فقط بل يغير من شأن المنطقة بأسرها.

فلا يخفى على أحد الأهمية الجيوسياسية لسورية فهي تشكل نقطة التقاء بين مراكز اقتصادية مهمة إلى جانب غناها بالتنوع الطبيعي والثروات لكن كل ذلك لا يقارن بثروتها الأهم والأعظم ثروتها البشرية وما تزخر به من عقول وكفاءات.

لقد شهد القاصي والداني بتفوق السوريين في الداخل والمهجر فالإنجازات التي يصنعها أبنائنا السوريين والنجاحات العلمية وهم يتصدرون بجدارة منصات التتويج في جامعاتهم أو يحققون سبقا في مجالات أعمالهم واختصاصاتهم يؤكد أن السوري بطبيعته طموح ومثابر ومنافس ويتطلع دائما إلى تعزيز حضوره وإثبات قدرته في شتى المجالات.

ومع ذلك، لا يمكن أن نغفل أن سورية مرت بمأساة طويلة امتدت لنحو خمسة عقود حين تحكم بها النظام البائد وقمع كل تطلع حضاري لأبنائها وأدخلهم في سلسلة متواصلة من الأزمات والضغوط محاولا كسر إرادتهم والسيطرة عليهم بالقمع والقتل والتجويع حتى أصبحت سورية لعقود طويلة خارج مسار الحضارة والتنمية وخارج تصنيف الدول بمفهومها العام بل أصبحت أقرب لإقطاعية من القرون الوسطى تحكمها عصابة طائفية مقيتة.

ومن الطبيعي في ظل هذه الظروف أن تتحول البلاد إلى بيئة طاردة للطاقات المبدعة والعقول الخلاقة من أبنائها فمن استطاع الخروج منها لم يكن يفكر مجرد تفكير في العودة إليها لأنها لم تكن تمثل له سوى الظلم والقهر والتوحش.

لكن بعد أن انتصرت الثورة وعادت سورية إلى أبنائها بزغ عصر جديد تجددت فيه مشاعر الحنين إلى الوطن كما تحن السنونو المهاجرة بعد فراق طويل ..فكثير من السوريين المهاجرين أعادوا ارتباطهم بالتراب السوري بعد عذابات البعاد وطول الانتظار بل إن بعضهم بدأ بنقل جزء من نشاطه وخبراته التي اكتسبها في المهجر إلى الداخل السوري.

فهل نتخيل حجم المنحة التي ستكون عليها سورية عندما تجتمع خبرات أبنائها القادمين من شتى أصقاع الأرض وتتلاقى جهودهم من أجل النهوض بوطنهم؟

هل نتخيل كيف ستكون سورية عندما تتصافح الأيادي الممتدة من الخارج مع الأيادي الصادقة التي تعمل في الداخل؟ وكيف سيكون مستقبل بلد تتكامل فيه الخبرات وتتلاقى فيه الطاقات وتتعاون فيه العقول من أجل بناء وطن يستحقه أبناؤه؟

إن الاستثمار في العقول وهو المجال الذي يجيده السوريون ويبرعون فيه أثمن وأعظم من كل الثروات المادية ولدينا الكثير من التجارب الدولية التي تثبت أن الدول لا تبنى بما تملكه من موارد طبيعية فحسب بل بما تستثمره في الإنسان والعلم والمعرفة. وتجارب دول مثل تايوان وماليزيا وسنغافورة تقدم نماذج واضحة على قدرة الاستثمار في الإنسان والعقول على تحقيق نهضة اقتصادية وحضارية كبيرة رغم محدودية الثروات المتوفرة.

إن المحنة التي عاشتها سورية لعقود سيحولها السوريون بإذن الله إلى منحة وسيجعلون من هذه السنوات الطويلة من الألم والتشتت نقطة انطلاق نحو مستقبل جديد يقف التاريخ أمامه مذهولا وهو يتحدث بإعجاب عن شعب نهض من تحت الرماد واستعاد قوته وإرادته وبنى من جديد دولة واقتصادا ومجتمعا وحضارة.

سورية التي عانت طويلا ستنهض.

وسورية التي فرقت أبناءها المحنة ستجمعهم المنحة.

وما بين المحنة والمنحة سيكتب السوريون فصلا جديدا من تاريخهم.

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار