مصطفى الدناور…
رفع أسعار المحروقات قد تفرضه ضرورات اقتصادية مرتبطة بسعر النفط عالميا و بكلفة الاستيراد وتأمين المشتقات النفطية واستمرار توفيرها في الأسواق لكن أي تعديل في أسعار الطاقة لا يمكن النظر إليه باعتباره قرارا منفصلا عن حياة المواطن اليومية لأن أثره يمتد بسرعة إلى النقل والإنتاج والأسواق والخدمات ولذلك فإن مسؤولية الحكومة لا تتوقف عند تحديد السعر الجديد لتجنب الخسارة بل تبدأ أيضاً من كيفية حماية المواطن من التداعيات التي قد تنتج عنه
والأولوية اليوم يجب أن تكون لحماية الأساسيات التي ترتبط مباشرة بمعيشة المواطن السوري وفي مقدمتها الخبز والنقل والمواد الغذائية فهذه القطاعات لا تحتمل أن تتحول كل زيادة في كلفة المحروقات إلى موجة متتالية من رفع الأسعار يدفع ثمنها المواطن وحده ولا سيما أصحاب الدخل المحدود وخاصة أن هذه الزيادة ترفع أضعافاً مضاعة عن نسبة رفع المحروقات وأن هذه الزيادة مع ارتفاعها لن تنخفض وحتى وإن انخفض سعر النفط.
لذلك فإن الحفاظ على استقرار سعر الخبز وضبط أجور النقل ومنع استغلال تعديل أسعار المحروقات لرفع أسعار المواد الغذائية بصورة غير مبررة يجب أن يكون جزءا أساسيا من أي سياسة اقتصادية جديدة فالمواطن قد يتفهم دوافع القرار عندما يلمس أن الحكومة في المقابل تعمل على حمايته من انعكاساته وتمنع المضاربة والاحتكار وتراقب الأسواق بفاعلية
وهنا تبرز أهمية التدخل الحكومي المباشر عبر تشديد الرقابة على الأسواق وضبط هوامش الربح وملاحقة المحتكرين ومنع استغلال ارتفاع كلفة النقل ذريعة لرفع أسعار المواد الغذائية أكثر من النسب التي تفرضها الكلفة الحقيقية وضرورة وجود مؤسسات استهلاكية كبيرة للمضاربة على أولئك التجار من ضعيفي النفوس الذين سيستغلون زيادة أسعار المحروقات لتحقيق أرباح فاحشة على حساب المواطن
كما أن دعم القطاعات الأكثر ارتباطا بالمواطن يمكن أن يشكل أداة ضرورية لتخفيف آثار ارتفاع أسعار المحروقات .
المرحلة الراهنة تحتاج إلى معادلة واضحة تقوم على استمرار الإصلاح الاقتصادي من جهة وعدم تحميل المواطن أعباء الإصلاح وحده من جهة أخرى فنجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بقدرتها على معالجة كلفة الطاقة وتأمينها وإنما بقدرتها أيضا على حماية القدرة الشرائية للمواطن والحفاظ على استقرار الأسواق وتأمين الاحتياجات الأساسية بأسعار يمكن تحملها
رفع سعر المحروقات قد يكون قرارا اقتصاديا تفرضه الظروف الدولية لكن حماية الخبز والنقل والغذاء مسؤولية اجتماعية ووطنية لا ينبغي أن تتراجع أمام أي اعتبار آخر فالمواطن هو محور التعافي الاقتصادي وطمأنته إلى أن الأسعار لن تنفلت وأن الحكومة ستتدخل لحماية أساسيات حياته هي جزء أساسي من بناء الثقة و تعزيز الارتباط بين الحكومة و الشعب.
🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://t.me/jamaheer