مصطفى الدناور…
رفع أسعار المشتقات النفطية بنسب تتراوح بين 20 و40 بالمئة في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا قد يكون مفهوما من الناحية الاقتصادية في ضوء ارتفاع كلفة تأمين الطاقة لكن فهم أسباب القرار لا يعني أن يتحمل المواطن وحده كامل نتائجه فالمشكلة الحقيقية تبدأ من اليوم التالي للقرار عندما تنتقل زيادة كلفة المحروقات إلى أجور النقل وأسعار السلع والخدمات وتصبح الزيادة عبئا يوميا على الأسرة السورية.
وهنا تحتاج الحكومة السورية إلى إجراءات موازية تجعل قرار رفع الأسعار أقل قسوة على المواطن وأكثر عدالة في توزيع أعبائه. فالحماية لا تعني بالضرورة التراجع عن القرار وإنما تعني منع تحوله إلى سلسلة من الارتفاعات غير المنضبطة التي تمس لقمة المواطن واحتياجاته الأساسية.
والأولوية الأولى يجب أن تكون للنقل والمواد الغذائية.
فمن غير المقبول أن تؤدي زيادة أسعار المحروقات إلى رفع أجور النقل بصورة تثقل كاهل المواطنين كما يجب منع انتقال الزيادة إلى أسعار المواد الغذائية بشكل مبالغ فيه تحت ذريعة ارتفاع كلفة النقل والطاقة.
وهذا يتطلب رقابة حقيقية على الأسواق ومحاسبة كل من يستغل القرار لرفع الأسعار أكثر من الكلفة الفعلية.
كما تستطيع الحكومة تخفيف الأثر من خلال توجيه الدعم بصورة أكثر دقة كما حصل بالنسبة للخبز والمحافظة على سعره نحو الفئات الأكثر تضررا وربط أي زيادة في أجور النقل بالكلفة الحقيقية وليس بالتقديرات العشوائية ودعم وسائل النقل العامة والقطاعات الإنتاجية الأساسية بما يساعد على امتصاص جزء من الزيادة بدلا من انتقالها كاملة إلى المستهلك.
وفي الوقت نفسه فإن ضبط الأسواق لا يقل أهمية عن معالجة كلفة المحروقات نفسها. فوجود منافسة حقيقية وشفافية في التسعير وإعلان التكاليف بوضوح يمكن أن يمنع المضاربة ويجعل المواطن قادرا على التمييز بين الارتفاع المبرر والزيادة الاستغلالية وكذلك ضرورة تدخل الحكومة بمؤسساتها في حال استغلال المواطنين من قبل التجار.
كما أن تعزيز الإنتاج المحلي كلما أمكن سيخفف تدريجيا من حساسية الاقتصاد السوري تجاه تقلبات أسعار الطاقة والأسواق العالمية.
المواطن السوري يستطيع أن يتفهم الظروف الاقتصادية الصعبة عندما يرى أن الحكومة تتعامل معها بواقعية وعدالة لكنه يحتاج في المقابل إلى أن يشعر بأن هناك شبكة حماية حقيقية تمنع المساس بأساسيات حياته. فالنجاح في إدارة قرار رفع المحروقات لا يقاس فقط بتأمين المشتقات النفطية وإنما بقدرة الحكومة على منع انعكاساتها من التحول إلى موجة غلاء جديدة.
المطلوب اليوم ليس مواجهة ارتفاع عالمي لا تملك سورية التحكم به وإنما إدارة آثاره بشكل جيد وبين قرار اقتصادي لا بد منه وحياة مواطن لا تحتمل أعباء إضافية يجب أن تكون هناك سياسات واضحة تجعل كلفة الأزمة موزعة بعدالة ولا تسمح بأن يدفع المواطن وحده ثمن ارتفاع أسعار الطاقة في العالم.
🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://t.me/jamaheer