مصطفى الدناور …
لا يمكن مواجهة خطاب الكراهية بعد انتشاره فقط بل يجب أن تبدأ المواجهة من المكان الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان وتبنى فيه أفكاره الأولى عن الآخر والمجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية المدرسة في دعم حملة الكلمة تبني وتحويل رسالتها من حملة توعوية إلى ثقافة وسلوك يبدأ مع الأطفال في سنواتهم الأولى.
فالطفل يتعلم في المدرسة أكثر من القراءة والكتابة والمعارف العلمية.
يتعلم كيف يتحدث وكيف يستمع وكيف يختلف وكيف يحترم الآخرين ولذلك فإن تعليمه أن الكلمة أمانة وأن لكل كلمة أثرا ومسؤولية يمثل خطوة أساسية في مواجهة خطاب الكراهية والتحريض والتنمر.
وتنسجم هذه المهمة بصورة مباشرة مع الكلمة التي تؤكد أنها يمكن أن تكون وسيلة للبناء والتقارب كما يمكن أن تتحول إلى وسيلة للتحريض والانقسام. ولهذا فإن وصول رسالة أثر الكلمة على المجتمع إلى المدارس يعني الوصول إلى الجيل الذي سيحمل لغة المجتمع في المستقبل ويعيد تشكيلها من خلال سلوكه وعلاقاته وطريقة تعامله مع الآخرين.
وهنا يأتي دور المناهج الدراسية في ترسيخ خطاب تربوي يواجه الكراهية ويعزز احترام الاختلاف والحوار وقبول الآخر. فالطفل يحتاج إلى أن يتعلم أن اختلاف الرأي لا يعني العداء وأن التعبير عن الموقف لا يبرر الإساءة وأن نقل الخبر مسؤولية وأن تداول الشائعات والمعلومات غير الموثوقة قد يؤدي إلى أذى حقيقي وانقسام داخل المجتمع.
كما أن المدرسة قادرة على تحويل مبادئ حملة الكلمة تبني إلى ممارسات يومية. فعندما يتعلم الطالب أن يستمع إلى زميله قبل الحكم عليه وأن يعبر عن غضبه دون إساءة وأن يرفض التنمر وأن يتأكد من المعلومة قبل نقلها فإنه لا يتلقى درساً نظرياً في مواجهة خطاب الكراهية بل يمارس هذه المواجهة في حياته اليومية.
ولا يقل دور المعلم أهمية عن دور المناهج. فالطفل يتأثر باللغة التي يسمعها وبطريقة إدارة المعلم للاختلاف وبأسلوب معالجة المشكلات بين الطلاب. وكلما كانت المدرسة نموذجاً للحوار والاحترام والإنصاف أصبح من الأسهل أن تنتقل هذه القيم من الصف إلى الأسرة والمجتمع ووسائل التواصل الاجتماعي.
وتزداد أهمية ذلك في سورية اليوم لأن بناء مجتمع متماسك يحتاج إلى جيل لا ينظر إلى الاختلاف باعتباره سبباً للكراهية ولا يسمح للكلمة أن تتحول إلى وسيلة للتحريض أو الإقصاء. وهذا ما يجعل حملة الكلمة تبني مسؤولية مجتمعية واسعة تتجاوز حدود الإعلام لتصل إلى الأسرة والمدرسة والجامعة ومختلف مؤسسات المجتمع.
إن مواجهة خطاب الكراهية تبدأ قبل أن يصبح خطاباً عاماً وتبدأ من الكلمة التي يسمعها الطفل في البيت ومن الموقف الذي يراه في المدرسة ومن الطريقة التي يتعلم بها التعامل مع المختلف. ولذلك فإن الاستثمار في التربية على الكلمة هو استثمار في مستقبل المجتمع كله.
فالكلمة التي يتعلم الطفل اليوم أن يستخدمها بمسؤولية يمكن أن تصبح غداً جسراً بين أبناء المجتمع. والكلمة التي يتعلم أن يرفضها لأنها تحرض على الكراهية يمكن أن تمنع انقساماً وتبني وطنا قويا مزدهرا.
اشترك بقناة التيليجرام: https://telegram.me/jamaheer