حسن أسعد..
منذ أن وُجدت الخليقة، وُجدت الكلمة؛ يعبّر بها الإنسان عمّا يختلج في داخله خيراً كان أم شراً. ومن هنا تتأتّى خطورة الكلمة وأهميتها، فهي إمّا أن ترفع صاحبها مكانةً عليّة، فيكون فاعلاً مؤثّراً في عملية البناء الاجتماعي، وإمّا أن تودي به إلى مهالك الردى، فيصبح مجرّد أداة فتنة وتخريب في مجتمعه.
فالكلمة الواعية المسؤولة، المنطلقة من إرث أخلاقي حضاري إنساني دون تعصّب، تبني المجتمعات وتنير درب الأمم وتنهض بحضارتها وقيمها، وتكون سبباً للسعادة الإنسانية جمعاء. وفي المقابل، فإن الكلمة التي تُقال انطلاقاً من إرث موغل في التعصّب والكراهية والأحقاد، تكون مِعول هدم وخراب ودمار، وسبباً للويلات والمصائب الإنسانية.
وللكلمة دور بالغ التأثير في بناء المجتمعات حين تحمل في طيّاتها مشروعاً هادفاً بناءً، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾. مشروعاً يساهم في تنمية وعي المجتمع وطريقة تفكيره، ويسمو بأخلاقياته، ويرسّخ أواصر الصلات ويزيد من تماسكها بين أفراد المجتمع ومع المجتمعات الأخرى.
ونحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى الكلمة التي تبني؛ لترسيخ مساحات الودّ والتسامح، وتمتين أواصر المحبة والألفة الاجتماعية، تلك القيم التي تهدم حواجز التفرقة وتردم الهوّة بين أفراد المجتمع، وتعيد تماسكه وصلابته على أسس احترام الآخر وقبوله.
نحن بحاجة إلى الكلمة التي تبني؛ تلك التي تعمل على تربية الأجيال، وتغرس في نفوسهم حبّ العلم، وتزيد من معارفهم، وتساهم في تطوير فكرهم البنّاء، وترسّخ بينهم مكارم الأخلاق.
نحن بحاجة إلى الكلمة التي تبني؛ تلك التي تدعم المجتمع معنوياً، وتزرع فيه الأمل، وتمنحه القوة على مواجهة التحديات التي تعترض طريق نهضته وحضارته وإنسانيته، وتساهم في إنهاء الانقسام والتشظّي فيه، وتعيد له أمنه وسلامته، وتنفي من بين ظهرانيه العداوات والخصومات.
وهنا يأتي دور المؤسسات التربوية والتعليمية والثقافية والإعلامية والمنابر الدينية في صياغة خطاب يركز على أهمية الكلمة التي تبني، من خلال وضع سياسات وبرامج يديرها أكفاء مشهود لهم.
اشترك بقناة التيليجرام: https://telegram.me/jamaheer