مصطفى .د …
مذكرة التفاهم السورية الروسية حول حميميم وطرطوس تتجاوز في دلالاتها مسألة إعادة تنظيم الوجود الروسي لتشكل مؤشراً واضحاً على أن سورية تدخل مرحلة جديدة في إدارة علاقاتها الدولية وملفاتها السيادية فبعد 18 شهراً من التفاوض المباشر والمكثف توصل الطرفان إلى صيغة تقوم على التفاهم والمصالح المتبادلة وتعيد ترتيب واقع فرضته ظروف مرحلة سابقة بما يتناسب مع سورية الجديدة والأهم أن هذا التفاهم يؤكد أن الدولة السورية باتت تتعامل مع ملفاتها الاستراتيجية من موقع الدولة صاحبة القرار والمصلحة الوطنية فهي تستعيد إدارة المنشآت ذات الطابع المدني وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس لتعود هذه المنشآت إلى وظائفها المدنية وتكون ضمن إدارة الدولة وأولوياتها الاقتصادية والخدمية وفي المقابل لا تأتي إعادة تنظيم الوجود الروسي بصيغة مواجهة أو قطيعة وإنما ضمن ترتيبات جديدة تحول المنشآت العسكرية السابقة إلى مراكز للتدريب والتأهيل المشترك وهو ما يحافظ على مساحة التعاون بين البلدين ويعيد تعريفها على أسس أكثر وضوحاً وانسجاماً مع المرحلة الراهنة وهذه النقطة تحديداً تحمل رسالة مهمة مفادها أن سورية لا تتعامل مع علاقاتها الخارجية بمنطق إلغاء طرف لمصلحة طرف آخر وإنما بمنطق المصالح الوطنية والتوازن والانفتاح على التعاون الذي يحفظ سيادتها وحقوقها كما أن تحديد مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر للانتقال إلى الترتيبات الجديدة يمنح الاتفاق قيمة تنفيذية حقيقية ويؤكد أن ما جرى ليس إعلاناً سياسياً قابلاً للتأجيل بل خطوات محددة يجري تنفيذها على الأرض وفي المحصلة فإن استعادة الدولة السورية إدارة منشآتها المدنية وإعادة تنظيم الوجود العسكري الأجنبي وفق تفاهم واضح يمثلان معاً خطوة باتجاه ترسيخ مفهوم السيادة الكاملة للدولة على أراضيها وفي الوقت نفسه فإن الحفاظ على العلاقة السورية الروسية ضمن صيغة جديدة يفتح المجال أمام تعاون يمكن أن يتطور مستقبلاً في مجالات التدريب والاستثمار والاقتصاد وإعادة الإعمار وبذلك تنتقل العلاقة بين دمشق وموسكو من ترتيبات فرضتها ظروف استثنائية إلى علاقة أكثر وضوحاً تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام والسيادة وهي معادلة تحتاجها سورية في مرحلة إعادة بناء الدولة والانطلاق نحو اقتصاد أكثر انفتاحاً وعلاقات خارجية أكثر توازناً فالرسالة الأهم التي تحملها حميميم وطرطوس اليوم أن سورية تريد علاقات مع الجميع لكنها تريدها من موقع الدولة التي تدير أرضها ومنشآتها ومواردها وتحدد مصالحها وتفاوض عليها.
🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://t.me/jamaheer