العدالة الانتقالية في سوريا.. حين نطق القضاء باسم المجرمين

عمر محمد عمر…

نطق القضاء السوري بكلمته: الإعدام لبشار وماهر الأسد غيابيًا، ولعاطف نجيب وسبعة آخرين حضوريًا.
لم يكن الحكم مجرد حلقة في مسار قضائي، بل محطة حملت انتظار أمة أنهكتها سنون الجور.
غير أن السؤال الأعمق يبقى: هل هذا غاية العدالة، أم مجرد الخطوة الأولى في طريق طويل وشاق؟
في آذار 2011، كانت درعا قبلة الانتفاضة، وكان عاطف نجيب وجه القمع فيها، باعتقال 15 طفلاً.
بعد خمسة عشر عامًا، تحقق المشهد: نجيب يمثل أمام هيئة قضائية بأدلة وشهود، والأسد في روسيا غيابيًا.
القيمة الرمزية للحكم كبيرة، فهي المرة الأولى التي تسقط فيها الحصانة عن رمز النظام.
في الشوارع، تداول الناس الخبر بفرح، غير أنه لم يخلُ من وجع، فكل عائلة تحمل جرحًا لم يندمل.
يعكس هذا رغبة السوريين بإنصاف حقيقي، ودولة تعيد الثقة بمساءلة كل متورط، وكشف مصير المفقودين.
يشكل هذا الحكم أول اختبار جاد لمسار العدالة الانتقالية المتكاملة.
وهنا يطرح السؤال الأول: هل ستقتصر المحاكمات على رموز الصف الأول، أم تمتد للحلقة الوسطى؟
فالنظام لم يكن فردًا، بل منظومة متكاملة من الأمنيين والعسكريين والإداريين.
السؤال الثاني: كيف ننفذ حكمًا بحق هاربين تحتضنهما روسيا بلا اتفاقية تسليم مجرمين؟
يبقى التنفيذ رهينة تحولات سياسية ودبلوماسية أوسع من قاعة المحكمة.
أما الثالث فيتعلق بالأموال المنهوبة في الخارج: هل تستردها الدولة أم يبقى الإفلات المالي قرين العقاب؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من الحكم، لكنها تحدد المسافة بين حكم رمزي وعدالة انتقالية مكتملة.
ربما يكون الأثر الأعمق في إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والدولة.
فالسوري الذي عاش عقودًا تحت الخوف بدأ يلمس تحولًا: محاكمات علنية وشهود يُستمع إليهم.
غير أن الثقة سلعة غالية، ولا تُشترى بحكم واحد، فالمواطن ينتظر أثره في نزاهة الموظف وسرعة معاملاته.
وإلا تحولت العدالة، مهما بلغت رمزيتها، إلى واجهة لا تخفي تشققات الماضي.
تبقى هذه المحطة فارقة في مسار سورية نحو دولة القانون وقطيعة مع إرث الإفلات من العقاب.
لكن الطريق لا يزال طويلاً وسورية التي خرجت من تحت الأنقاض وأنهكها الفساد تستحق دولة تقوم على القانون لا الغلبة.
“أول الغيث قطرة”، وهذه القطرة بين درعا ودمشق قد تكون بداية مسار طويل وشاق لكن الشعب السوري يستحق أن يذل لأجله هذا التعب والجهد بعدما تحمل ما لم يتحمله شعب في عصرنا الحديث .

قد يعجبك ايضا
آخر الأخبار