الجماهير|| أسماء خيرو..
احتضنت دار رجب باشا الأثرية مساء أمس، لقاءً حوارياً استثنائياً تحت عنوان “كي لا يتكرر”، بتنظيم من مبادرة “سرد” ومنظمة “مبادرون” بالتعاون مع مديرية ثقافة حلب.
وجمع اللقاء نخبة من المثقفين والناشطين والمهتمين بالشأن الثقافي والاجتماعي، في محاولة للإجابة على أسئلة مصيرية تلامس جراح الماضي واستحقاقات المستقبل، بعد أكثر من عقد على اندلاع الثورة السورية.

وأكد المشاركون في بداية اللقاء أن الحوار الصريح يعد المدخل الأساسي لاستعادة الذاكرة الجماعية بوعي ومسؤولية، ما يمهد لبناء مستقبل قائم على التسامح والإنسانية.
وتركزت النقاشات حول عدة محاور أساسية، شملت:
– كيفية التعامل مع ذاكرة جمعية مثقلة بالألم، بحيث لا يقتصر دور التذكر على إثارة الجرح، بل يتحول إلى أداة للشفاء والمصالحة الوطنية.
– سبل خلق مساحات آمنة لتبادل التجارب والروايات المختلفة، مع ضمان عدم تحولها إلى ساحة تنافس على “المظلومية”، والانتقال من ثقافة الصراع إلى ثقافة الاعتراف المشترك.
– تحديد الآليات والخطوات العملية اللازمة لتوثيق الذاكرة السورية بشكل وطني يضمن عدم تكرار فصول المعاناة.
– مسألة المسؤولية، وما إذا كانت حكراً على السياسات العامة أم أن للمبادرات المجتمعية دوراً محورياً في هذه المعادلة.

كما تمحورت النقاشات حول مفهوم “الذاكرة الجمعية ككائن حي”، حيث عُرِّفت الذاكرة ليس ككيان ثابت، بل كمادة ديناميكية قابلة للتحول تحمل في طياتها إرثاً من الألم امتد عبر أجيال.
إلى جانب ذلك، تم استعراض دور الفن كوسيط علاجي، حيث تم اقتراحه كأداة عميقة للتعبير عن الذاكرة المؤلمة، يساعد في الاعتراف بها وسماع جميع أطرافها لتحويلها من عامل تمزيق إلى جسر للتواصل.
وأشار المتحدثون إلى مسؤوليتين جوهريتين، هما:
-. معالجة الذاكرة السلبية عبر “تنظيف” المفاصل السياسية والثقافية والمجتمعية التي قادت إلى المسارات الخاطئة، وإعادة طرح الأوجاع والمؤثرات التي شكلت الواقع السوري.
-. بناء ثقافة جديدة للإنسان السوري، قائمة على الحرية والمسؤولية، كمشروع وطني يشارك فيه الجميع رسمياً ومجتمعياً.

من جهتها، قالت منار طيار، منسقة مبادرة “سَرْد”: “جلسة اليوم ‘كي لا يتكرر’ تأتي لتسليط الضوء على المعاناة التي مرت بها العائلات في حلب وسوريا عموماً، ونسعى من خلالها إلى ضمان ألا تتكرر هذه السرديات. وسنستخدم الفن كأداة للتعبير، والحوار الجامع بهدف الاعتراف الصريح والعميق بالذاكرة الجمعية كشرط أساسي لقطع الطريق على تكرار الفصول المؤلمة في المستقبل”.
وخرج اللقاء الحواري بتوصية رئيسية مفادها أن “الاعتراف الواسع والدقيق بآلام السوريين والسوريات هو حجر الزاوية في أي عملية مصالحة حقيقية”، مؤكداً أن تحويل الذاكرة من سردية أحادية متنافسة إلى مساحة مشتركة للفهم والاعتراف يعد التحدي الأكبر، الذي يتطلب جهوداً جماعية وإرادة سياسية ومجتمعية لتحقيقه.
#صحيفة_الجماهير