حلب الجماهير …
إن توفير وسائل نقل جماعي حديثة ومنتظمة ومريحة من شأنه أن يقلل الاعتماد على السيارات الخاصة ويخفف الازدحام المروري واستهلاك الوقود والانبعاثات الضارة فضلا عن تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين الذين يضطرون إلى استخدام وسائل النقل يوميا للوصول إلى أعمالهم وجامعاتهم ومدارسهم فكل حافلة تستوعب عشرات الركاب يمكن أن تسهم في تقليل عدد السيارات على الطرقات وبالتالي الحد من الاختناقات المرورية والتلوث الناجم عنها
وتحتاج سورية في مرحلة إعادة الإعمار إلى رؤية متكاملة للنقل الحضري تأخذ البعد البيئي في الحسبان من خلال تحديث أسطول النقل العام وتشجيع استخدام الحافلات الأقل تلويثا وتطوير شبكات النقل وتنظيم حركة السير وتأمين البنية التحتية اللازمة لذلك
كما أن إدخال الحافلات الكهربائية أو العاملة بوسائل طاقة أقل تلويثا يمكن أن يشكل خطوة مهمة نحو بناء منظومة نقل أكثر استدامة شريطة توفير البنية التحتية اللازمة لتشغيلها وصيانتها
ولا يمكن تحقيق هذا التحول من دون معالجة المشكلات التي تجعل المواطن يفضل السيارة الخاصة على النقل الجماعي وفي مقدمتها عدم انتظام المواعيد والازدحام داخل الحافلات وضعف التغطية لبعض الأحياء وغياب الخطوط التي تربط المناطق السكنية بمراكز العمل والخدمات لذلك فإن تحسين جودة الخدمة وانتظامها وتوسيع مساراتها يجب أن يكون في مقدمة أولويات الجهات المعنية لأن النقل العام لا يصبح خيارا جاذبا بمجرد توفير الحافلات بل عندما يشعر المواطن بأنه وسيلة مريحة وآمنة وموثوقة
كما أن تطوير النقل العام يحمل أبعادا اجتماعية واقتصادية لا تقل أهمية عن أبعاده البيئية فهو يساعد أصحاب الدخل المحدود على تخفيف نفقات التنقل اليومية ويمنح الطلاب والموظفين والعمال وسيلة انتقال بتكلفة مناسبة ويحد من استنزاف الوقت والمال في الازدحام والانتظار وهذا يعني أن الاستثمار في النقل الجماعي ينعكس مباشرة على حياة المواطنين وإنتاجيتهم وعلى قدرة المدن على استعادة نشاطها الاقتصادي
ومن الضروري أيضا أن تتكامل جهود تطوير النقل العام مع سياسات تنظيم السير ومراقبة الانبعاثات الصادرة عن المركبات وإخراج الآليات شديدة التلوث من الخدمة وفق برامج مدروسة تراعي الأوضاع المعيشية لأصحابها إلى جانب تشجيع استخدام المركبات الأقل استهلاكا للوقود وتوفير وسائل صيانة وفحص فني فعالة
إن مسؤولية حماية البيئة لا تقتصر على إزالة النفايات وزراعة الأشجار ومراقبة المصانع وإنما تشمل أيضا إعادة النظر في الطريقة التي تتحرك بها مدننا يوميا فالمدينة النظيفة تحتاج إلى منظومة نقل تقلل التلوث وتخفف الازدحام وتحافظ على صحة السكان وهذا يتطلب أن يكون النقل العام جزءا من التخطيط العمراني والاقتصادي وليس ملفا خدميا منفصلا
إن الاستثمار في النقل العام هو استثمار في صحة الناس وجودة الهواء والاقتصاد معا فكل خطوة نحو نقل جماعي أفضل تعني سيارات أقل على الطرقات واستهلاكا أقل للوقود وانبعاثات أقل في الأجواء فضلا عن حياة يومية أكثر سهولة للمواطن
ومن هنا فإن تطوير هذا القطاع يجب أن يتحول إلى أولوية بيئية وخدمية في آن واحد لأن المدن التي تخطط لنقلها بصورة صحيحة تخطط في الوقت نفسه لمستقبل أكثر صحة واستدامة.
🔔 اشترك بقناة التيليجرام: https://telegram.me/jamaheer